الحذر يا مؤسسة النقد من مخاطر العقاريين

أستكمل هنا ما تقدمت الإشارة إليه في المقال الأخير “المقاومة الخاسرة لانهيار أسعار العقار”، الذي تطرق إلى المحاولات اليائسة لمقاومة بدء تراجع الأسعار المتضخمة للأراضي والوحدات السكنية، والمحاولات الأكثر يأسا من قبل تجار العقار لإخراج السوق من حالة الركود التي تمر بها.

تعددت أنماط المقاومة بين من ينكرها من تجار العقار، وبعض الكتاب الذين لا يعلمون عن السوق العقارية إلا ما تزودوا به من توصيات أولئك التجار، أو من حالة نفسية بعثت فيهم اليأس التام بعدم إمكانية انخفاض أسعار العقار نتيجة التجارب السابقة. وذكرت أن أمر إقناعهم من عدمه لا أهمية له ولا جدوى منه، وأن الوقت والجهد اللازمين له مجرد إضاعة للوقت وهدر للجهد، فواقع المتغيرات التي تتحكم في الوقت الراهن في السوق كفيل بتغيير قناعاتهم الزائفة، وسيضطرون إلى الاعتراف به ولكن بعد فوات الأوان. وأن الاهتمام والجهد الأهم ينصب على: (1) الأجهزة الحكومية المعنية المسؤولة عن ملف الإسكان، لتمضي قدما في جهود إصلاح تشوهات السوق العقارية، والعمل على وجه السرعة نحو محاصرة آثارها الخطيرة على المستويات كافة على الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء. (2) أفراد المجتمع من المواطنين والمواطنات، عليهم الثقة بتلك الجهود، وانتظار نتائجها الإيجابية فترة بعد فترة، والحذر من التورط في تحمل أعباء أقساط مصرفية هائلة لفترات تمتد إلى أكثر من 20 عاما، مقابل شراء أصول عقارية ترى أسعارها تتهالك وتتهاوى في منحدر لا قرار منظورا له في الأجلين المتوسط والطويل.

النمط الآخر من المقاومة والأكثر خطورة، الواجب اتخاذ أعلى درجات الحذر والحيطة منه؛ هو الفريق من تجار العقار وامتداداتهم، التي تحاول إيهام الرأي العام والأجهزة الحكومية المعنية بالمخاطر الكبيرة على الاقتصاد الوطني وقطاع الأعمال عموما، ونشاطات الشركات والمؤسسات العاملة في السوق العقارية، من تراجع أسعار العقار، وافتعال الأزمات إعلاميا وعبر العديد من التقارير والنشرات، بل محاولة نشر الهبوط الكبير في قيم صفقات السوق العقارية، والهبوط الأكبر في أثمان العقارات (أراض، وحدات سكنية)، والمبالغة المتعمدة في ذكر نسب هبوط تلك الأثمان، وتصويرها على أنها نوافذ تهدد مصالح السوق العقارية، إلى آخر الأوهام التي يتم الترويج لها عن قصد. لتكتشف الهدف من كل تلك الأكاذيب التي يتم الترويج لها؛ ليس عليك إلا أن تقرأ السبب الرئيس في نهاية تبريرات تلك الأوهام، وحصره في قيام مؤسسة النقد العربي السعودي بتحديدها نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري بما لا يتجاوز 70 في المائة من حجم التمويل، وأن هذا الإجراء من قبلها أدى في الوقت الراهن إلى تعطيل السوق العقارية، وإلى حرمان الأفراد من شراء احتياجاتهم من الأراضي والوحدات السكنية.

تنتهي توصيات ذلك الفريق من تجار العقار بمطالبة مؤسسة النقد العربي السعودي برفع تلك النسبة، ورغم أن أحلامهم الواهمة تطمح لأن تبلغ 100 في المائة كحجم تمويل، إلا أن مطالباتهم لا تقل الآن عن 90 في المائة، وهذا بالطبع هو الخطر الأكبر الذي يجب أن تتنبه إليه بكل حذر مؤسسة النقد العربي السعودي، وأن تعمل بكل جدية وصرامة على تطبيق تلك النسبة، وزيادة رقابتها على المصارف المحلية ومؤسسات التمويل المختلفة، لتلتزم بها تماما، وأن توقع أشد الغرامات والعقوبات على أي طرف تمويلي يرتكب مخالفة الأنظمة المقررة.

لا أقل من وصف محاولات تجار العقار في هذا الاتجاه، بأنها يائسة ومكتوب لها الفشل المحتوم، وأنها محاولات معلوم الهدف منها، فعوضا عن الاعتراف الحقيقي بانخفاض الأسعار، الذي يراوح في الوقت الراهن حسب أحدث بيانات وزارة العدل (شباط “فبراير” 2015) بين 5.0 و15.0 في المائة على الوحدات السكنية الجاهزة، ويصل انخفاضه بالنسبة لقطع الأراضي السكنية إلى 19.6 في المائة كأقصى نسبة انخفاض وصل إليها. وليس كما يتم الترويج له من قبل تلك القوى العقارية إعلاميا بنسب وصلت بها المبالغة والوهم لأعلى من 90.0 في المائة، والمضحك في الأمر برمته أن من بين مناطق التراجع التي ذكرتها تصريحات وتقارير تلك القوى العقارية، منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة!

للركود ولقياس تراجعات الأسعار مؤشراتها الموثوقة، التي يجب أن يتم الاعتداد بها والاعتماد عليها، وهي كما أسلفت ذكره أعلاه متوافرة في البيانات المنتظمة الصدور من قبل وزارة العدل، وهي المؤشرات التي يجب أن تعتمد عليها مؤسسة النقد العربي السعودي قبل غيرها من الأطراف، وكما سبق أن أوضحت المؤسسة؛ فإنها لم تقم بتحديد نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري بما لا يتجاوز 70 في المائة، إلا بعد دراسات وأبحاث دؤوبة استغرقت منها عدة أعوام، مسترشدة فيها بكثير من تجارب الدول التي سبقتنا في هذا المضمار، فيجب ألا ترضخ أو تنخدع بتلك المطالبات المكشوفة الغايات والأغراض، التي عوضا عن تعاملها المفترض مع متغيرات السوق الجديدة المتمثلة في تراجع الأسعار بالنسب الحقيقية، لا بالنسب المبالغ فيها التي تروج لها، وهي مستويات سعرية لا تلحق بها أية خسائر، بقدر ما أنها تقلص هوامش أرباحها، تلك الهوامش التي لا تقل وفقا للأرقام الفعلية التي كانت تنشر في أوقات سابقة عن 80 في المائة إلى 100 في المائة! فما الذي تغير اليوم؟

ذكرت في أحد التقارير العقارية الأخيرة، أن العوامل التي أدت إلى التراجع المحدود للأسعار أخيرا خلال الفترة الأخيرة، لا تتعدى كونها عوامل اقتصادية، كتراجع أسعار النفط، وأخرى هيكلية تمثلت في تحديد مؤسسة النقد نسبة الحد الأقصى للتمويل العقاري بما لا يتجاوز 70 في المائة. وأن تلك العوامل لم يتجاوز أثرها حدود محاصرة المضاربات العقارية، وشل قوى التلاعب بالأسعار وتدوير الأموال، التي لعبت دورا بارزا في رفع أسعار العقارات وتضخيمها بصورة خارجة تماما عن أية أطر اقتصادية أو مالية مقنعة!

بينما انحصرت أغلب العوامل التي أفضت إلى تشكل الفقاعة العقارية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه من ارتفاعات قياسية ومتضخمة، وأتى مصدرها الرئيس من تشوهات السوق العقارية (احتكار الأراضي، تدوير الأموال، إلى آخر الأسباب التي سبق ذكرها وأصبحت معلومة للجميع)، ولم تجد لها رادعا حقيقيا وصارما لتحد من تفاقم آثارها السلبية، أو تخفف منها على أقل تقدير! وهذه هي الأسباب الفعلية التي أوقفت صعود الأسعار حتى وصلت إلى وضعها المتضخم اليوم، الذي يفترض مواجهته بكل صرامة.

ختاما؛ على مؤسسة النقد الوقوف بحزم وثبات وجدية تجاه أي من تلك المطالب الزائفة الأهداف، فما نشهده في الوقت الراهن من مؤشرات أداء السوق العقارية، ليس إلا بداية إيجابيات ما قامت وتقوم به في هذا الاتجاه، وتستحق عليه كل التقدير والدعم والتشجيع. يبقى الأمر الأهم والمنشود، الذي يؤمل منه إحداث صدمة أكبر وأسرع للأسعار (الفقاعة العقارية)، المتمثل في سرعة إقرار الرسوم على الأراضي داخل المدن والمحافظات، ولعله القرار القريب ـــ بإذن الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/03/04/article_936657.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.