إلى وزارة الإسكان: يسروا ولا تعسروا

هل سألت وزارة الإسكان نفسها ذات يوم عن تقييمها لأدائها تجاه أزمة الإسكان في المملكة طوال الأعوام الماضية؟ وما درجة التقدّم التي حققتها على مستوى التغلّب على تلك الأزمة التي ثبت فعلياً أنّها مفتعلة من أساسها؟ ورغم أنّ هذا ليس موضوع هذا المقال، إلا أنّ الإجابة عليه أعتبره أمراً بالغ الأهمية لأجل ربطه بقضية المواطنين الذين صدرتْ لهم موافقة صندوق التنمية العقاري، بمنحهم قروض الإسكان، وهم الشريحة المتقدّمة إلى الصندوق قبل تاريخ 23/7/1432هـ، إلا أنّه ولارتفاع أسعار الأراضي والوحدات السكنية بصورةٍ مبالغٍ فيها، لم يتمكنوا من الاستفادة منها، ما اضطرهم قسراً إلى تأجيل تسلمها حتى تتراجع الأسعار إلى المستويات المقبولة، والمتوافقة مع حجم ذلك القرض الإسكاني.

هل سألت وزارة الإسكان نفسها؛ لماذا يضطر المواطن الذي وقف على لائحة انتظار صندوق التنمية العقاري لأكثر من عشرة أعوام، أن يطلب في الوقت الراهن رغم كل تلك الفترة من الانتظار الطويل إلى تأجيل استلامه لقرضه الإسكاني؟ أليس بسبب ما عجزتْ عنه هي بالدرجة الأولى عن إيجاد حلولٍ ناجعة له؟ وهل لو أنّ ذلك المواطن استلم قرضه الإسكاني في وقتٍ أقصر من تلك الفترة الطويلة للانتظار (حتى إن كان بحجمه السابق 300 ألف ريال)، هل كان سيواجه نفس الأزمة التي يواجهها اليوم؟

إنّ ما توصّلت إليه وزارة الإسكان في مضمون المادة التاسعة عشرة من اللائحة التنفيذية لتنظيم الدعم السكني، التي نصّتْ على أنّه: إذا كان لدى المتقدم أو أي من أفراد أسرته طلب قرض سكني (أو أكثر) لدى الصندوق وتَسلمَّ عنه رقماً قبل تاريخ 23/7/1432هـ، وجب التنازل عن هذه الطلبات كافة خلال 30 يوماً من تاريخ تلقي المتقدم إشعاراً من الوزارة يتضمن أن إجراءات طلب الدعم السكني متوقفة إلى حين التنازل عن طلبات القروض السكنية القائمة لدى الصندوق، وإذا لم يُلتزم بذلك، يتم إلغاء طلب الدعم السكني الخاص بالمتقدم. وقيامها بناءً على هذه المادة من اللائحة هي وصندوق التنمية العقاري، بمنح المواطن المستحق وفقاً لهذه المادة مهلةً زمنية تنتهي بنهاية شوال من العام الهجري الجاري، إمّا أن يتقدّم لتسلم قرضه أو يُلغى طلبه، يعني تجاهل العديد من الاعتبارات التي لا شكّ أنّها تفاقم من حجم الأزمة الإسكانية لا أنْها تسهم في تخفيف حدتها وخطورتها.

فهي من جانبٍ أوّل؛ تحمّل المواطن وحده مسؤولية تأخير الصندوق لعدة أعوامٍ في تسليم القرض الإسكاني، الذي لو قُدّر له تسلمه في زمن أقصر بعد تقدّمه بطلب القرض لما وصل إلى هذه الحالة من الخيارات البالغة التعقيد. ثانياً: دام أنّ المواطن والوزارة والصندوق على حدٍّ سواء، قد وصلوا إلى الطريق المسدود كما نلمسه جميعاً، ويعاني منه أغلب أفراد المجتمع تجاه الأزمة الإسكانية، فلماذا تُلقى آثارها المؤلمة فقط في هذا السياق على كاهل هذا المواطن المنتظر لعدة أعوام؟ ثالثاً: كان في الإمكان اللجوء إلى خياراتٍ أخرى أقل ضغطاً على المواطنين، الذين تنطبق عليهم هذه الحالة، وهي وفقاً للظروف الراهنة التي يعيشها اقتصادنا الوطني تعتبر أفضل- بحمد الله- ويمكن التوصّل من خلالها إلى اشتراطات وخيارات أقل تكلفة وأقل عبئاً وأيسر بكثير على كاهل هذا المواطن، الذي اضطرته ظروفه المادية للوقوف على باب الصندوق والوزارة، ولو أنّ الوزارة استطاعت إنجاز ما يمكن ذكره في اتجاه التأثير على الأسعار، التي فاقت كثيراً حدود وقدرات المواطن تجاه قضية تملّكه لمسكنه الخاص؛ لكان هناك بعض العذر لدى الوزارة الذي يمكننا اعتباره تبريراً مقبولاً لقيامها به، إلا أنّ المسألة كما هو قائم اليوم تجاه هذه الأزمة الإسكانية مختلفة تماماً عن كل ذلك! ففي السابق وجدنا الصندوق تأخّر على المواطنين الطالبين لقروض الإسكان في منح تلك القروض طوال الأعوام الماضية، واليوم تكرر الوزارة نفس الأخطاء بتأخّرها في تحقيق حلولٍ فعلية وملموسة على أرض الواقع تجاه الأزمة الإسكانية! تأخر سابق، وتأخر آخر لاحق، ومن يا تُرى يراد له أن يدفع الثمن وحيداً؟ إنّه الضحية الوحيدة فقط ممثلاً في ذلك المواطن المنتظر طوال تلك الأعوام!

ليست هذه بالقسوة على أيّ من الوزارة أو الصندوق، ولن تكون كذلك أمام القسوة الحقيقية التي يواجهها المواطن الذي يعاني في الوقت الراهن هذه الإجراءات والقرارات المتخذة بحقه من قبل الوزارة والصندوق. ويؤمل في الوقت الراهن أنْ تتخذ الوزارة إجراءات تسهل على المواطنين المنتظرين، الذين تنطبق عليهم تلك الحالة أعلاه، لا أن تزيد من معاناتهم بعد هذه السنوات الطويلة من الانتظار، ولا أريد أن ألفت نظر الوزارة وصندوقها العقاري إلى حجم التكاليف المادية الهائلة التي كابدها أولئك المواطنون من تأخّر منح قرض الإسكان، وفواتير الإيجارات السنوية الكبيرة، التي تحمّلوها طوال تلك الأعوام الطويلة.

الخيار الوحيد اليوم أمام الوزارة ومعها صندوقها العقاري، أنْ تجتهد أكثر في مواجهة أزمة الإسكان، وأن تعمل على خفض الأسعار اللاهبة في السوق العقارية المحلية، التي وصلت إلى مستويات مبالغٍ فيها، التي كانت نتيجة لتشوهات وعشوائية مضى عليها سنوات طويلة، ليس للمواطنين فيها أي يد أو سبب، وأن تقوم الوزارة بإنجاز وعودها الكثيرة السابقة، وتتحمّل مسؤولية تنفيذها ومن ثم يجني المجتمع بالكامل ثمارها، وتتحمّل أيضاً مسؤولية عدم إنجازها كما هو قائم حتى تاريخه، وأن تُعفي المواطنين من تحمّل إثم هذا التأخر وعدم الوفاء بكل ما وعدت به طوال الأعوام الأخيرة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/02/02/article_927815.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.