إعادة هيكلة أجهزة الدولة

لم يمضِ أكثر من ثلاثة أيام على ما كتبته في مقال الإثنين الماضي في صحيفة “الاقتصادية” العدد 7777 بعنوان (التطلعات والتحديات المستقبلية لبلادنا)، إلا صدرت حزمةٌ تاريخية من الأوامر الملكية السامية، التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ـــ أيده الله ـــ مستهدفة في مجموعها تحقيق النهضة والتطور والتقدم اللازم لبلادنا والمجتمع السعودي، فلله الحمد والشكر الذي به تدوم النعم على ما أفاء الله به هذه البلاد، في زمن نرى الأمم من حولنا تتقاذف بهم الفتن والأزمات في كل حدب وصوب.

أتت تلك الأوامر الملكية في مرحلة زمنية مفصلية تعبرها البلاد، تنشد من خلالها النجاح في التغلب على التحديات الراهنة والمستقبلية، وإن تحقق كل ذلك يتطلب رتما آخر أكثر حيوية ومرونة، ويتطلب في مواجهة “التحديات والمسؤوليات التي تزداد وزنا وحجما؛ فلا بد من زيادة جهود التطوير والإصلاح داخليا، ولا بد من الإسراع بها، ولا بد من زيادة حسن استغلال الموارد المتاحة، وتوجيهها في اتجاه تلك الأهداف الاستراتيجية المثلى، وأن نرفع مجتمعين درجات الإنجاز والتنفيذ، وفي الوقت ذاته أن نرفع درجات المساءلة والشفافية ومحاربة الفساد”، وأن “علينا اختصار كثير من الوقت في سبيل الإنجاز، وعلينا رفع كفاءة إنفاقنا للأموال، وكل هذا يتطلب بكل تأكيد بصيرة أكثر نفاذا، وسواعد شابة على قدر عال من التأهيل والتعليم، وقبل هذا تمتلك الإيمان بهذا الوطن والقدرة على تحمل المسؤولية، وكل هذا، بحمد الله، متوافر وليس عصيّا علينا إيجاده، ولا يتعدى الأمر في الوقت الراهن سوى منح هذه السواعد الفتية الفرصة الكاملة للوفاء بما هو مطلوب منها، وهي قادرة، بعون الله، على تحقيق تلك المهام والمسؤوليات”.

إن إنشاء مجلسين، الأول للشؤون السياسية والأمنية، والآخر لشؤون الاقتصاد والتنمية، يرتبطان تنظيميا بمجلس الوزراء، على أنقاض إلغاء 12 جهازا حكوميا ما بين لجنة عليا ومجلس أعلى متعددة الأغراض، يشكل واحدة من أبرز وأهم نقاط التحول التنموي في بلادنا، التي بدورها يؤمل ــ بإذن الله تعالى ـــ أن تحقق للبلاد والعباد ثمارا حقيقية للتطوير والإصلاح والتقدم، وهو ما نص عليه حرفيا الأمر الملكي السامي رقم أ/69 المتمثل في “أهمية توحيد التوجهات، التي ترتكز على الثوابت الشرعية والأصول النظامية المستقرة، الرامية إلى تنفيذ السياسات والرؤى المنبثقة من الخطط المعتمدة. وسعيا إلى إيجاد نقلة نوعية على كل المستويات، أخذا بمبدأ التحسين المستمر، بما يحقق جودة شاملة فيها. ورغبة في ترتيب ما له صلة بالشؤون السياسية والأمنية وشؤون الاقتصاد والتنمية وما في حكمها، بما تقتضيه المصلحة العامة بالخير على البلاد والعباد. وحرصا على رفع كفاءة الأداء ومستوى التنسيق ـــ تفاديا للازدواج وتحقيقا للأهداف المرسومة – بما يؤدي إلى تكامل الأدوار والمسؤوليات والاختصاصات، وبما يواكب التطورات والمتغيرات المتسارعة التي طرأت في مختلف المجالات. وانطلاقا من اختصاص مجلس الوزراء الأصيل في رسم السياسة الداخلية والخارجية والمالية والاقتصادية والتعليمية والدفاعية وجميع الشؤون العامة للدولة والإشراف على تنفيذها”.

تشكل الأوامر الملكية كافة التي صدرت يوم الخميس الماضي نقطة تحول تاريخية في عمر بلادنا، إلا أن الأمرين الملكيين الساميين رقم أ/69 ورقم أ/70 سيشكلان النقطة الأكثر تحولا، والأثقل وزنا في إعادة تشكيل خطوط مستقبل البلاد، لما يحملانه في طياتهما الواسعة من آفاق وتطورات قادمة. إذ سيشكل المجلسان “مجلس الشؤون السياسية والأمنية، ومجلس الشؤون الاقتصاد والتنمية” محوري ارتكاز لانطلاق التطوير والإصلاح المنشودين، وإني لآمل وغيري من أفراد مجتمعنا الوفي أن يترجم كثيرٌ من تطلعاتهم العديدة بحلول فورية، لعل في مقدمتها القضايا الملحة المرتبطة بأزمات الإسكان والتوظيف والبطالة وتحسين مستويات الدخل ورفع كفاءة الخدمات الصحية والبلدية والخدمات، إضافة إلى القضاء على أوجه البيروقراطية وأشكال الفساد والقصور في الأداء الوظيفي الحكومي، التي أثقلت كاهل المواطنين طوال الأعوام الماضية، وأن يتم الدفع بخطوات تنفيذ المشروعات الحكومية التي عانت تأخر تنفيذها أو تعطلها، ما أوجد وفاقم من تشوهات “الفجوة التنموية” محليا، وتلك باختصار شديد هي لب الأزمات المحلية، وهي أيضا إحدى نتائج ما تم اتخاذ الأوامر الملكية السامية بإنهائه وتغييره، الذي يُعقد عليه الأمل، بحول الله تعالى، في تجاوزه عبر تركيز جهود الدولة ـــ أيدها الله ـــ من خلال هذين المجلسين.

إن تحديد جدول زمني لأداء تلك المهام والمسؤوليات، أمر لا بد منه! وقد يفضل ألا يتجاوز خمسة أعوام مقبلة، والعودة من ثم مستقبلا إلى تصميم رؤى مستقبلية تحت منظور شامل لإدارة التنمية في بلادنا، والعمل بجدية على تنفيذها وفق برامج تنفيذية تراقب الأداء والتنفيذ وتقوم بمراجعته، علما بأن تصميم تلك الرؤى والعمل على رسمها أمران يستحقان البدء فيهما من اللحظة الراهنة، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة إنهاء وإغلاق الملفات التنموية العالقة حتى الساعة، وهو ما يشترط بكل تأكيد للنجاح، بحول الله تعالى، في تحقيق تلك الرؤى المستقبلية، لأجل حاضر ومستقبل عظيم للبلاد والعباد. حفظ الله بلادنا وقادتها المخلصين ومجتمعنا الوفي من كل مكروه. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/31/article_927320.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.