القضاء على التستر التجاري

أستكمل هنا مناقشة ما تم التطرق إليه في المقال الأخير “لا يكفي هذا يا وزارة التجارة”، الذي تركز حول مواجهة أحد أهم التحديات الاقتصادية الراهنة ممثلا في “التستر التجاري”، الخطر الداهم الذي بدأت وزارة التجارة والصناعة في مواجهته بصورة أقوى مما عهدناه طوال العقود الماضية، وهي الجهود المباركة التي تستحق كل التقدير والدعم من الجميع، سواء كنا أجهزة حكومية أو مؤسسات أهلية أو أفرادا.

أحاول هنا طرح بعض الحلول الداعمة لتوجهات محاربة التستر التجاري والقضاء عليه، وتخليص مقدرات البلاد والعباد من آثاره الفادحة الخسائر، والوصول بتلك الجهود إلى منطقة جني ثمارها الحقيقية، المفترض أن تنعكس إيجابا على النمو الاقتصادي والتنمية المستدامة، وأن تترجم برفع مستوى دخل الفرد السعودي، ويتحقق في ضوئها انفتاح الآفاق الاستثمارية المثلى أمام رأس المال الوطني، وتحديدا الصغير والمتوسط منه، ويتوافر بموجبه مزيد من فرص العمل الكريمة للمواطن والمواطنة، وعدا ذلك من النتائج؛ لا أقل من القول عنه إلا أنه كان مجرد هدر للجهد والمال! إذ لا بد أن نشهد تغييرا ملموسا على واقع البيئة الاقتصادية والاستثمارية المحلية، تنعكس نتائجه الحقيقية عليها، ونرى انحسارا للأنشطة المخالفة للتستر التجاري، يقابله انفراج للمواطن والمواطنة سواء المستثمرين منهم أو الباحثين عن فرص عمل كريمة.

اختتمت المقال الأخير بأنني سأطرح بعض الحلول المأمول التفكير فيها، وضرورة أخذها في عين الاعتبار المواطن والمواطنة، كونه النقطة الرئيسة التي يبدأ منها التستر التجاري وإليها تنتهي، وكونه الضحية الأكبر لاستشراء هذا الداء الفتاك اقتصاديا وماليا. فلا بد من قيام الأجهزة الحكومية المعنية بهذا الملف بالبحث في الأسباب التي دعت المواطن أو المواطنة إلى الخضوع والاستسلام للوافد المتستر عليه، والعمل على رصدها وحصرها، ومن ثم الانطلاق باتجاه معالجتها، فقد تكون استغلالا لعجز المواطن أو حاجته إلى المال، وقد تكون لعدم قدرته على اضطلاعه بنفسه بممارسة ذلك النشاط، إما لقوة المنافسة في السوق أو لتكتل بقية المؤسسات المتورطة في التستر التجاري ضده ومحاربته، أو لأي سبب كان.

تفضل عديد من الإخوة القراء الكرام بالتعليق على المقال السابق، وطرحوا عددا من الحلول التي أعتقد أنها تصب في الاتجاه الصحيح، لعل من أبرزها ما تفضل به الأخ أبو نواف بمقترحه “عدم السماح للعمالة الوافدة بالعمل في المملكة لمدة تتجاوز أربع سنوات، وألا يتجاوز المقيم عمر الخمسين عاما، وبهذا سيتم القضاء على 95 في المائة من التستر والبطالة، وفقا لطرحه”. فيما طالب الأخ عبد الخالق الغامدي “بإحكام الرقابة على محال الصرافة والتحويل أكثر مما يتم عبر المصارف التجارية، وفرض ضريبة على كل عامل والتأكد من عدم تأثير العبء الضريبي في المستهلك النهائي”. وأخيرا أسهب الأخ عادل السحيمي في طرح حل آخر، وذكر عدة فوائد منه كالتالي “أن يتم السماح للوافدين بالتجارة وفق ضوابط مناسبة، مع فرض ضريبة على الأرباح بنحو 20 في المائة، وإلزامها بتوطين الوظائف بما لا يقل عن 50 في المائة من أنشطتها، وحصر التحويلات لمحاصرة غسل الأموال، واشتراط فتح نشاط التجارة لمواطني المملكة في بلدان العمالة الوافدة، معاملة بالمثل، وفقا لاتفاقيات التجارة العالمية”.

إنها حلول تستحق البحث والدراسة، تضاف إلى بقية الحلول الكثيرة المقترحة من قبل عديد من المهتمين بهذا الشأن، المنتظر فقط أن تترجم فعليا إلى إجراءات فعلية مطبقة على وجه السرعة. أضيف إليها هنا باختصار شديد عددا من المقترحات المأمول تبنيها من قبل وزارة التجارة والصناعة، والتنسيق في خصوصها مع الأجهزة الحكومية الأخرى المعنية.

أولا: التعاون مع مؤسسة النقد العربي السعودي، والعمل على تصميم أنظمة تتولى مراقبة حركة الحسابات المصرفية للمنشآت التجارية والصناعية، وتتركز على حسابات “المنشأة، الكفيل، العامل المكفول”.

وهذه يمكن تحقيقها في وقت وجيز جدا لتوافر الإمكانات والبنية لدى مؤسسة النقد، كما أنها لا تتطلب تحمل تكاليف مالية باهظة، وهو ما يشبه الأنظمة المصرفية التي تراقب حسابات العمالة في القطاع الخاص “مراقبة الأجور”، والرقابة على حسابات المستفيدين من نظام حافز. إن اتخاذ مثل هذه الخطوة كفيلٌ بالكشف والقضاء على أغلب كوارث التستر التجاري إن لم يكن كلها، وتعد أمرا له مشروعيته الكاملة ما دام أنه يتوافق مع مواد نظام مكافحة التستر ولائحته التنفيذية.

فمن خلال بناء وتصميم هذا الأنظمة الرقابية، ستتمكن وزارة التجارة والصناعة من السيطرة التامة على نشاطات الأسواق التجارية والصناعية المحلية. كما أنها ستتمكن من تسهيل مهام جولاتها التفتيشية الميدانية فيما يختص بالمنشآت، التي قد تلجأ إلى الاحتيال على الأنظمة المصرفية، عبر تحويل تعاملاتها التجارية ودفع وتسلم النقدية خارج النظام المصرفي “تعاملات بالكاش”، وهذا احتمالٌ واردٌ حدوثه دون أدنى شك للهرب من مقصلة الرقابة، لكنه عبر مراقبة حركة الحسابات المصرفية الراكدة، سيسهل كثيرا التعرف على أوكارها خارج الرقابة المصرفية، عبر تتبع ومراقبة نشاطاتها بصورة ميدانية.

ثانيا: ربما يكون الوقت قد حان لإعادة التفكير مرة أخرى في جدوى استمرار نظام الكفالة المعمول به في الوقت الراهن، وضرورة البحث من جديد عن صيغة تعاقدية أخرى بديلة بين رب العمل والعامل المستقدم، تنزع تماما التشوهات وعمليات المتاجرة المحمومة في تأشيرات العمالة الوافدة، فكما أثبتت التجربة الطويلة الماضية، أن هذا النظام العتيد لم تنتج عنه إلا زيادة في الاستقدام على حساب توطين العمالة، كما نتج عنه عدم تكافؤ فرص الحصول على تأشيرات العمالة الوافدة بين المنشآت التي هي فعلا بحاجة إلى تلك التأشيرات، وغيرها من المنشآت أو الأشخاص الذي تحول معه أمر استخراج تأشيرات عمل إلى نشاط تجاري مربح بحد ذاته! وقد يتذرع البعض بأن هذا قد ينتج عنه انخفاض في إيرادات الخزانة العامة نظير إلغاء نظام الكفالات، إلا أنه في المقابل للرد على هذه المقولة سيؤدي إلى حماية مقدرات الاقتصاد الوطني والمجتمع من الفوضى وسوء الاستغلال والمظاهر الراهنة للتستر التجاري، التي تتجاوز تكاليفها الباهظة أكثر من 20 ضعف تلك الإيرادات السنوية لإصدار وتجديد تلك التأشيرات.

ثالثا: أتمنى من وزارة التجارة والصناعة عقد ورشة عمل أخرى حول هذا الملف الشائك “عقدت وزارة التجارة ورشتها الأولى مطلع 2011 حول نفس الملف، ونتج عنها أغلب ما نشاهده اليوم من نتائج ملموسة وناجحة”، ودعوة عديد من ذوي العلاقة به من مختلف الأجهزة الحكومية والقطاع الخاص والمهتمين والمختصين، للبحث والنقاش المستفيض في هذا الشأن، وطرح ما يمكن تطبيقه من حلول ومقترحات تدعم عمل الوزارة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/21/article_924501.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.