مسؤولية من يا مؤسسة النقد؟

أخشى أن اتساع مساحة المسؤوليات والمهام على مؤسسة النقد قد تفقدها القدرة على السيطرة والتحكم تجاه مسؤولياتها ومهامها الرئيسة، فهي اليوم تشرف وتراقب بالكامل القطاع المصرفي، وقطاع الصرافة، وقطاع التأمين، وأنظمة المدفوعات، وقطاع شركات التمويل، وشركات المعلومات الائتمانية، وإدارة احتياطيات البلاد في الخارج، عدا إشرافها على لجان الفصل في المنازعات المصرفية والتأمينية.

سابقا؛ تم تنبيه مؤسسة النقد إلى ضرورة تفعيل دورها الرقابي على المصارف التجارية، تجاه إفراط الأخيرة في جانب الائتمان المصرفي “قروض استهلاكية بـ 348.4 مليار ريال حتى نهاية الربع الأول من 2014، تمويل على المحافظ الاستثمارية، قروض عقارية بـ 88.4 مليار ريال حتى الربع الثالث من 2014″، عدا القروض التي تضخ من قبل شركات التقسيط والتمويل خارج دائرة النظام المصرفي. ولكن يبدو أن تعدد المسؤوليات الجسيمة عليها وتكاثرها بصورة يخشى أن تكون قد فاقت مقدرتها، أقول قد يكون وراء تساهل تلك المصارف التجارية في ضخ الأموال في حسابات الأفراد دون قيد أو شرط، حتى وصلت إلى مستوياتها المرتفعة اليوم.

شهدنا جميعا فواجع تفاقم التمويل على المحافظ الاستثمارية أكثر من مرة، ودفع ثمنه الأفراد وحدهم دون سواهم، وخرجت المصارف التجارية من تلك المواقع الدامية في سوق الأسهم الرابح الوحيد، وتكررت الفاجعة أكثر من مرة، وكل هذا بالطبع تم تحت نظر ومراقبة مؤسسة النقد! فماذا فعلت المؤسسة تجاه تلك الفواجع؟ الواقع أن تكررها يشير إلى أن المؤسسة لم تفعل شيئا، لا من قريب أو بعيد! فما يهمها هنا هو فقط حماية النظام المالي المتشكل من المصارف التجارية، أما الأفراد فلا بأس أن تم وضع إدارة كاملة ومتفرغة لتلقي شكاواهم، وماذا سيجد أولئك الأفراد يا ترى؟ الإجابة المباشرة وغير المباشرة، تشير في دلالات واضحة إلى أن تلك المصارف التجارية، لو أنها تلقت عقوبة أو جزاء رادعا لما تمادت لاحقا في الإفراط الائتماني، ولما استمرت في الاتصال بعملائها وتقديم الإغراءات لهم لقاء موافقتهم على تلك التمويلات. ومن يا ترى هذه مسؤوليته إن لم تكن ضمن مسؤوليات مؤسسة النقد؟!

ونحن تحت تأثير تلك الأضرار المادية التي تلحق بالأفراد والمجتمع جراء تمويل المحافظ الاستثمارية، التي سرعان ما تبتلعها انهيارات السوق المالية، ولم نخرج منها بعد، أتت المصارف التجارية بالتعاون مع عدة أطراف في السوق العقارية بعديد من القفزات على أنظمة التمويل، وتحديدا التمويل العقاري! وذلك محاولة لتجاوز عقبة اشتراط نظام التمويل العقاري بتحمل المقترض 30 في المائة من قيمة التمويل، لتتولى إدارات الائتمان في المصارف (حل) هذه المعضلة، والقيام بعمليات تمويل لتلك الدفعة بطريقة تخفض على المقترض تلك النسبة إلى 10 في المائة، ومن ثم التقدم إلى أي شركة من شركات التمويل والحصول من ثم على القرض اللازم، ولا ضرر على أي من تلك الأطراف “المصرف، شركة التمويل، الشركة العقارية” أن يصل تحمل الفرد المقترض لسداد أكثر من 65 في المائة من دخله الشهري لفترة قد تمتد إلى 20 أو 25 عاما. من يا ترى هذه مسؤوليته إن لم تكن ضمن مسؤوليات مؤسسة النقد؟

معلوم أن الحيلة ملجأ الطرف الأكثر مكرا، وأنها أيضا ملجأ الطرف الأضعف في أي مواجهة مع خصمه! وهي هنا تحدث بين طرف يمتلك الأموال الهائلة، لكنه (نظريا) الأضعف مقابل من يمتلك الأنظمة واللوائح وأدوات الرقابة، غير أن الجديد في هذه المواجهة؛ أن من يدفع الثمن وحيدا في حال انتصر الطرف المحتال سيكون طرفا آخر، هم الأفراد سواء المتمولين للاستثمار في سوق الأسهم، أو المتمولين لشراء مساكن العمر.

بعيدا عن التذبذبات الحادة التي شهدتها وتشهدها سوق الأسهم، واقترانها بدرجات عالية من المخاطر، وما نتج عنها من خسائر فادحة لحقت بالمستثمرين الأفراد، وهي المشاهد المؤسفة جدا التي سادت مواقفها منذ شباط (فبراير) 2006، ولم تغب عن إلحاق أشد الأضرار بالمجتمع الاستثماري، والدور السلبي الذي لا يمكن تجاهله إطلاقا للمصارف التجارية في ضخ التمويل العالي المخاطر في المحافظ الاستثمارية لأولئك الأفراد، والدروس المريرة التي لا يبدو أن أحدا لديه الاستعداد للتعلم والاتعاظ منها، بمن فيهم الأفراد أنفسهم، أقول بعيدا عن هذه المشاهد التي لا يوجد أي مؤشر حقيقي حتى الآن على توقفها أو حتى انخفاضها، يبدو أننا سنكون على موعد آخر من تكرار المشاهد ذاتها، ولكن بصورة أشد وقعا من حيث الخسائر الفادحة في مجال التمويل العقاري، وتوريط الأفراد والمجتمع نفسهما في قروض عقارية لشراء مساكن معرضة لانخفاض قيمتها بما لا يقل عن 50 في المائة خلال العامين القادمين، ليكتمل بذلك مشهد أطباق طاحونة القروض الطائلة على مدخرات الأفراد (قروض استهلاكية، قروض عقارية، قروض محافظ استثمارية، قروض شركات التقسيط).

أي واقع اقتصادي واجتماعي هذا الذي تسمح بتشكله مؤسسة النقد وغيرها من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة؟ وإلى أين سنصل جميعا في ضوء هذا الإفراط والتساهل من قبل الأطراف كافة؟ ولماذا تستمر معالجة أخطاء اقتصادية ومالية “انخفاض مستوى الدخل” بأخطاء أكبر وأكثر خطرا “زيادة القروض والديون”؟ هل تعلم مؤسسة النقد أن مجموع تلك القروض (قروض استهلاكية، قروض عقارية، قروض محافظ استثمارية، قروض شركات التقسيط)، يقدر حجمها حتى نهاية الربع الثالث من 2014 بأكثر من 774 مليار ريال؟ وماذا لديها من أدوات أو إجراءات لمعالجة تفاقم تلك القروض والديون الطائلة، هي وغيرها من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة؟ سأكون صريحا معها؛ الإجابة المراد رؤيتها هي أفعال على سطح الأرض، لا مجرد ردود وتصريحات تبريرية سواء منها أو من خلال متحدثين غير مباشرين نيابة عنها، فما يجري الآن على مستوى هذه التشققات الخطيرة في الجبهة الاجتماعية المحلية، أمرٌ بلغت خطورته درجة لم ولن تنفع معها أية تبريرات أو وعود، ولا بد أن نرى تحركا ملموسا من مؤسسة النقد لإيقاف هذه الممارسات المخالفة من قبل المصارف المحلية وكل من يتورط معها في بناء تلك الديون الهائلة على كاهل أفراد المجتمع! ولتعلم مؤسسة النقد أن مجرد فرض غرامات تكاد لا تذكر لقاء تلك المخالفات المصرفية، لن تسمن ولن تغني من جوع، كما أنها لن توقف أبدا مسيرة تفاقم تلك المخالفات، والأخطر من كل ذلك أنها لن تنفع مستقبلا في منع الآثار المدمرة المحتملة جراء تفاقم فاتورة الديون على كاهل الأفراد، سواء على الاقتصاد الوطني أو المجتمع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/14/article_922615.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.