أزمة الإسكان يا مجلس الشورى

أتمنى أن يكلل لقاء وزير الإسكان غدا مع مجلس الشورى بالنجاح، وأن يسفر عن منجز حقيقي في مجال مواجهة إحدى أكبر الأزمات التنموية المفتعلة في بلادنا. أحاول هنا بلورة بعض النقاط المهمة المتعلقة بهذه الأزمة، التي آمل أن تسهم في إثراء الحوار بين الطرفين، وأن تختصر عليهم الكثير من الوقت، خاصة فيما يتعلق بتشخيص أسباب أزمة الإسكان، والحلول المفترض تحقيقها للخروج من حصارها القسري. لعل أخطر تلك الأسباب من خلال متابعتي وقربي لهذه القضية طوال السنوات الماضية، هو غياب المعلومات من جانب، ومن جانب آخر المعلومات المضللة التي غلفت جسد الأزمة الإسكانية، التي كان مصدرها بكل أسف أحد أطراف صناعة وافتعال تلك الأزمة، ممثلا بتجار العقار أنفسهم، وما يمثلهم من لجان في الغرف التجارية، امتدادا إلى منظريهم باختلاف مواقعهم الإعلامية، وهذا ما يجب الحذر كل الحذر منه أن تتسرب تلك التشخيصات المضللة لأسباب الأزمة الإسكانية، وكذلك الحلول المقترحة من تلك الأطراف، التي تم تصميمها لهدف رئيس، رأسماله المحافظة على مصالح تجار العقار بمختلف أنواعهم (ملاك الأراضي، المطورين العقاريين، المسوقين والسماسرة)، مع إيهام من هم خارج تلك الدائرة الضيقة بأن تلك الحلول المقترحة من قبلهم؛ هي المخرج الوحيد من هذه الأزمة المفتعلة، ولكن هيهات أن تكون كذلك، بل إنها ستفضي إلى مزيد من ثقل وخطورة الأزمة، وحينها قد تحل بنا كارثة اقتصادية واجتماعية وأمنية لا مفر من تلقي صدمتها المدمرة شئنا أم أبينا.

إليكم (رأيا) من خارج تلك الدائرة الضيقة لتجار العقار ومنظريهم التي تسيطر تماما على المشهد العام للأزمة، مدعوما بالأرقام الرسمية، مبتدئا بالأسباب الحقيقية للأزمة، ثم تشخيصها، وأخيرا حلولها المقترحة للخروج من أسرها.

(أولا) أسباب الأزمة الإسكانية: بدأت في حقيقتها من (تشحيح الأراضي) وليس من (شح الأراضي) كما تم ويتم الترويج له، الذي أفضى إلى تجفيف شبه تام للمعروض منها، أدى بدوره إلى ارتفاع قيمة الأرض، ومن ثم إلى ارتفاع قيمة المساكن المنشأة عليها (تشكل نسبة قيمة الأرض إلى إجمالي قيمة المسكن أكثر من 70 في المائة)، تفاقمت الأزمة لاحقا مع ارتفاع تكلفة اليد العاملة ومواد البناء في وقت مضى، إلى تردي مستوى البناء والتشييد للوحدات السكنية التي تنتجها شركات التطوير العقاري، ولعل زيارات ميدانية لتلك الوحدات السكنية المهترئة المعروضة للبيع، فيها الكفاية التامة للوقوف فعليا على وضع تلك الوحدات المتردية والنطيحة، التي يحاول تجار العقار جاهدين تمريرها إلى المستهلكين بأي وسيلة كانت، فكيف بالتحديد حدث كل ذلك؟ أسرد الآن أهم الأسباب باختصار شديد (تطرقت إليها في المقال الأخير المنشور يوم السبت).

(1) نشأت الأزمة في بدايتها من منح الأراضي بمساحات شاسعة جدا لأفراد نافذين محدودي العدد، حتى تحولت أغلب مسطحات الأراضي بمساحاتها الشاسعة جدا إلى غلة مكتنزة في أيادي تلك القلة القليلة جدا من السكان، وظل جزء كبير من تلك الأراضي الشاسعة مملوكا على هيئة أراض خام لم يتم دفع ريال واحد لتطويرها أو إحيائها، فيما انتقلت ملكية جزء آخر منها إلى فئة أخرى كما يتضح في السبب الثاني.

(2) انتقل جزء من ملكية تلك الأراضي الشاسعة، عبر بيعها بأثمان بخسة جدا مقارنة بأسعار السوق الجارية، إلى فئة كبار تجار الأراضي ذوي القدرة الشرائية الكبيرة ومحدودي العدد، وقاموا هم أيضا بارتكاب الخطأ السابق نفسه بأن حولوا أغلب تلك الأراضي التي تم شراؤها إلى مخزن للثروة طويل الأجل، بحثا عن تنامي قيمتها مستقبلا دون أية أعباء مالية تذكر (الأرض لا تأكل ولا تشرب)، وظل أغلب تلك الأراضي هي أيضا ممنوعة من التطوير والإحياء، فيما تم تطوير جزء محدود منها وعرضه على منصات المساهمات العقارية، وفق آليات استهدفت المحافظة على النمو المستمر للأسعار، والاستفادة القصوى من اختلال قوى العرض والطلب في السوق، الذي يخدم نمو قيم الثروات المخزنة من الأراضي أكثر مما يلبي احتياجات البلاد والعباد.

(3) يأتي الآن دور الفئات المشكلة للدرجة الثالثة من المستثمرين العقاريين، الذين يتلقفون ما يتم عرضه عبر منصات المساهمات والمزادات العقارية، تنفذ تلك الفئات صفقاتها على ما يسمى بالبلوكات (أكثر من قطعة أرض)، وتمارس هي أيضا بدورها أصول اللعبة نفسها؛ اكتناز الأرض (التي لا تأكل ولا تشرب)، وانتظار تنامي قيمتها مستقبلا، والظروف كما ثبت أعلاه مواتية ومضمونة تماما لتحقيق هذا الهدف، خاصة مع تنامي احتياجات المجتمع من الأرض.

(4) انخفض معدل منح الأراضي خلال العقد الماضي بصورة كبيرة جدا، غير أن ارتفاع الأسعار أغرى من جانب آخر لصوص الأراضي! ليحل محل المنح جرائم تزوير الصكوك وحجج الاستحكام، ويزداد معها تشحيح الأراضي، ولتمر الأراضي المستولى عليها بصيغ مخالفة بالآليات المذكورة أعلاه نفسها، وليختلط الحابل بالنابل، إلا أن النتيجة كانت واحدة؛ هي الارتفاع الجنوني للأسعار. وما كشفته جهود وزارة العدل أخيرا في إطار استعادة تلك الأراضي وإلغاء صكوكها المزورة (وصلت حتى تاريخه إلى نحو 2.0 مليار متر مربع)، يؤكد إلى أي مدى وصلت خطورة الوضع.

(ثانيا) النتيجة: ما نشهده اليوم من فصول للأزمة، التي تأكد للجميع أنها مفتعلة، وأن أسبابها كانت نتيجة أخطاء ارتكبت في عقود سابقة، وبمعرفة تلك الأسباب فإن معالجتها والقضاء عليها هو السبيل الوحيد لحل تلك الأزمة، وعدا كل ذلك ليس إلا هدرا فادحا للجهود والأموال ومقدرات البلاد والعباد. النتيجة أن أغلب، مخزون الأراضي المهيأة للإحياء والتطوير في بلادنا، هو إما ممنوحٌ محتكر، أو مبيع لمرة واحدة ثم يحتكر، أو مسروقٌ محتكر! أو محدودٌ متداولٌ يتم تدويره وهميا بهدف رفع سعره! فأي ورطة صنعها بعضنا (أقلية) وتورط فيها البقية (الأكثرية)؟! (أثبتت بيانات وزارة العدل التي يتم تحليلها أسبوعيا كل يوم ثلاثاء في صحيفة “الاقتصادية” كل تلك الأسباب وتشخيص الأزمة).

(ثالثا) الحلول: وهي التي يجب على المجلس تأييدها ودعم ضيفه (وزير الإسكان) في خصوصها؛ (1) التوصية بتوجيه الأراضي المستردة بموجب الصكوك وحجج الاستحكام المزورة التي ألغتها وزارة العدل (2.0 مليار متر مربع) إلى وزارة الإسكان. (2) التوصية باسترداد أراضي المنح ولم يتم تطويرها وإحياؤها وإعادة توجيهها أيضا إلى وزارة الإسكان، مقابل منح ملاكها فترة زمنية محددة النهاية بتطويرها وإحيائها أو تنفيذ الاسترداد. (3) دعم فرض الرسوم والغرامات على الأراضي المحتكرة والمحجوبة عن التطوير والانتفاع العام.

يتوقع أن التوصية بهذه الحلول الثلاثة فقط في الوقت الراهن، كفيلة بإذن الله تعالى أن تؤدي إلى إعادة التوازن المنتزع إلى قوى العرض والطلب في السوق العقارية، وكفيلٌة أيضا بالقضاء التام على الجذور الأساسية لنشوء هذه الأزمة المفتعلة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/12/article_921942.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.