الحلول الظريفة لتجار التراب

أطل علينا مجموعة من تجار التراب ومنظريهم مرات عديدة في أكثر من موقعٍ إعلامي (مقالات، ندوات، وتحقيقات)، تمحورت طوال الأسبوعين الماضيين في مجموعة حلول للأزمة المفتعلة في سوقي العقار والإسكان، لا أقل من القول عنها إن أغلبها إن لم يكن كلها غلب عليه الظرافة مرات، وأحياناً أخرى معاكسة الواقع، والمطالبة بما يتوافق مع مصالحهم أولا، لا مصلحة السوق والاقتصاد والمجتمع، وضرورة أن يتركز العمل الحقيقي على معالجة أخطر أزمة تهدد الاقتصاد الوطني والمجتمع السعودي على حد سواء، المتمثلة في عدم قدرة أغلب المواطنين على تملك مساكن لهم ولأسرهم.

مطلع “النكتة” في كل قول يهيم به أولئك القوم، إن كل شيء يتعلق بالشأن العقاري والإسكان، يعد أزمة بالنسبة لهم إلا مسألة (الأسعار)! فوزارة الإسكان من وجهة نظرهم مصدر أزمة، ووزارة الشؤون البلدية والقروية مصدر أزمة هي الأخرى منذ زمن بعيد، وأخيرا أضافوا إلى مصادر الأزمة العقارية مجموعة الكتاب وقادة الرأي خارج دائرتهم، وتحديدا من يطالب بإقرار الرسوم على الأراضي المحتكرة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وكل من يحذر المواطنين من التورط في الشراء بتلك الأسعار الخارجة عن كل ما هو معقول ومقبول! باختصار يمكن القول إن كل شيء بالنسبة لأولئك القوم أو تجار العقار بمعنى أدق؛ هو في الحقيقة أزمة، إلا جانب الأسعار! فهذه يجب ألا تمس لا من قريب أو بعيد.

إنها “النكتة” الفارغة من العقل، التي كان يمكن أن تنطلي على أفراد المجتمع، الذين يمثلون الضحية الأولى والأكبر للتشوهات التي تغلغلت في جسد السوق العقارية، وبالدرجة الثانية بالنسبة لمختلف الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بالشأن العقاري وسوق الإسكان، أقول كان يمكن أن تنطلي علينا جميعا لو أننا مضينا في غيبوبة غياب الإحصاءات الرسمية بالصورة التي مضى عليها حين من الدهر، توالدت خلالها مسببات الأزمة العقارية لتظهر بوجهها البشع القائم اليوم، إلا أن توافر البيانات ومعلومات السوق بدءاً من البيانات التي بدأت في نشرها وزارة العدل مشكورة بصورة يومية، مرورا ببقية الأجهزة الحكومية التي بدأت أيضا بدورها في الكشف عن كنز المعلومات المستودعة لديها، أدت مجتمعة إلى تصحيح الصورة المضللة التي طالما استغلت أسوأ استغلال من مختلف قوى تجار التراب ومنظريهم، حتى وصلنا اليوم إلى ما نحن عليه من تعثر وشلل كامل بالنسبة للأفراد، عجزوا معه تماما عن الحصول على المساكن المناسبة لهم، وبالأسعار المنطقية والمتوافقة مع قدرات دخولهم.

لاحظ أن كل حل يقترحه معسكر تجار التراب، لا يمكن أن يتطرق إلى موضوع الأسعار، بل وصل بهم الافتراء إلى عدم الاعتراف بوجوده أصلا؛ رغم أن هذا هو أساس الأزمة ومحورها الرئيس! ولاحظ أن الأسباب الحقيقية التي أدت إلى تضخم حجم الأزمة العقارية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه اليوم من تضخم يهدد استقرار البلاد والعباد؛ أنها وفقا لتشخيص ذلك المعسكر الظريف تنطلق أغلبها من مصادر ليست في حقيقتها إلا نتائج، بينما المصادر الحقيقية للأزمة يتم تحاشيها تماما، رغم أنها معلومة لديهم تمام العلم، ويدركون تمام الإدراك أنه لو لامستها قرارات الدولة بالحل الجذري، لما بقي لها حس ولا ركز، ولشهدنا جميعا كيف أن هذه الأزمة ستتهاوى من علوها الباطل إلى الواقع الحقيقي العادل الذي تستحقه.

بدأت الأزمة من: (1) منح الأراضي بمساحات شاسعة جدا لأفراد نافذين محدودي العدد، حتى تحولت أغلب مسطحات الأراضي بمساحاتها الشاسعة جدا إلى غلة مكتنزة في أيادي قلة قليلة جدا من السكان، إما عن طريق بقاء تلك الأراضي الشاسعة في ملكية تلك الفئة المحدودة العدد، أو عن طريق انتقال ملكية جزء منها إلى فئة من كبار تجار الأراضي ذوي القدرة الشرائية الكبيرة، وفي تلك المحطة إما أن تتحول الأرض إلى مخزن للثروة طويل الأجل وهو الغالب، وإما أن يتم تسويقها عبر القنوات التقليدية من مساهمات عقارية، تنتقل عبرها بأسعار أعلى إلى ملاك أقل قدرة مالية من البائعين الكبار، ومنهم أيضا بأسعار أعلى تصل إلى الضعف أو أكثر إلى المستهلك النهائي، الذي في الغالب يحصل عليها بتمويل من المصارف المحلية! إذا أنت تتحدث عن متر أرض منح مجانا في أول طريقه، ثم بأسعار في الغالب دون الـ 100 ريال، ومنهم بعد اكتنازها وحجبها عن الانتفاع لعدة أعوام تنتقل إلى الوسطاء المتاجرين بأسعار تصل مضاعفاتها إلى ستة إلى عشرة أضعاف سعر تكلفة شرائها (600 ريال إلى 1000 ريال للمتر المربع)، ثم إلى المستهلك الأخير بضعف تلك الأسعار أو أعلى!

(2) زاد من عسر الأمور في السوق العقارية، ما بدأت معالجته وزارة العدل خلال العامين الأخيرين، المتمثل في سرقة أراضي الدولة واستصدار صكوك وحجج استحكام مزورة، وهي مساحات فاقت 2.0 مليار متر مربع، ليزداد تشحيح الأراضي من جهة، ويزداد ارتفاع أسعارها من جهة أخرى، وليتشكل خلل فادح بين قوى العرض والطلب.

(3) في ضوء ما تقدم؛ ترى ماذا بقي للأفراد لينتفعوا من الأراضي المخصصة للسكن؟ للعلم فإن الحديث هنا يتمحور حول مساحات من الأراضي (ممنوحة، محتكرة، ومسروقة) تتجاوز مساحاتها المساحات المأهولة بالسكان! هل اتضح الآن لماذا سعر المتر المربع يمكن أن يصل إلى ثلاثة آلاف ريال، وإلى خمسة آلاف ريال، وإلى ثمانية آلاف ريال أو أكثر أحياناً؟ هل اتضح الآن لماذا تشكلت الأزمة العقارية؟ دع عنك تلاعب بعض شركات التطوير العقاري، التي تقف عند باب وزارة البلدية والشؤون القروية، مطالبة بترخيص تطوير مخطط يبعد عن آخر منطقة مطورة ومرخص لها بالبناء بأكثر من 15 إلى 20 كيلو مترا، فيما تتجاهل المواقع الأقرب! لماذا؟ لكي ترتفع قيمتها السوقية فور الحصول على ترخيص تطوير، ومن ثم تذوب تكلفة تطوير المخطط الأخير كالسكر في ماء غليان أسعار ما سبقها من مخططات ترابية!

علمنا بالحلول وتأكدت جدواها؛ (1) استرداد الأراضي المسروقة بالصكوك وحجج الاستحكام المزورة (2.0 مليار متر مربع حتى تاريخه)، وتوجيهها فورا إلى وزارة الإسكان. (2) استرداد الأراضي الممنوحة بمساحات شاسعة ولم يتم تطويرها وإحياؤها من قبل من منحت لهم، أو إلزامهم بتطويرها وإحيائها وفق جدول زمني محدد النهاية. (3) فرض الرسوم والغرامات على الأراضي المحتكرة والمحجوبة عن التطوير والانتفاع العام، والقضاء على مقولة الأرض لا تأكل ولا تشرب، وتحويل اكتنازها إلى جمرة ملتهبة من التكلفة. هذه الحلول الثلاثة فقط كفيلة بأن تعيد التوازن المنتزع لا المفقود فقط إلى قوى العرض والطلب، وكفيلة بالقضاء التام على جذور الأزمة الحقيقية، التي يحاول تجار التراب إلهاءنا عنها وتشتيت الانتباه عنها، ولكن هيهات أن يستمر انطلاء هذه الأكاذيب بعد انكشاف الحقائق وتوافر البيانات من الجهات الحكومية (أهمها وزارة العدل). وأستكمل الحديث في المقال القادم بإذن الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/10/article_921498.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, السوق العقارية. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.