أهم مهام الميزانية خلال 2015 – 2016

تتحمل الميزانية الحكومية مهام ومسؤوليات عديدة، لا شك أنها تتسم جميعها بالأهمية، لكن تتحكم في تحديد أولوياتها التحديات المرتبطة بالمرحلة التي يعبرها الاقتصاد الوطني، وقد لا يختلف ترتيب تلك الأولويات كثيرا في الأجل القصير، إلا أنه يأخذ أهميته القصوى في الأجل الطويل، وترتفع تلك الأهمية إلى أعلى درجة بالغة الحساسية حال نتج عن تأخيرها أو تعثرها أي من الآثار السلبية، التي سترتد سلبيا على الأداء والاستقرار الاقتصاديين، وعلى مستوى التنمية الشاملة والمستدامة بما لا تحمد عقباه عندما تشتد الشدائد، وعندما تبحث عما استهدفت تأسيسه وإنشاءه في وقت مضى، ثم تكتشف في صدمة كبيرة أنه غير موجود ولم يتم تنفيذه أو تحقيقه!

مضى علينا حينٌ من الدهر، حلقت خلاله الميزانية الحكومية فوق سحاب نفط تجاوزت أثمانه في السوق العالمية سقف الـ 100 دولار أمريكي، أغدقت خلالها بسخاء غير مسبوق على مختلف جوانب الإنفاق الجاري وعلى المشروعات التنموية، تلك المشروعات التي وصل الإنفاق عليها خلال الفترة الوجيزة 2007 ـــ 2014 إلى أكثر من 1.9 تريليون ريال، مستهدفة تنفيذ نحو 19.5 ألف مشروع تنموي، دفع بالمملكة لاحتلال مراتب متقدمة على مستوى العالم في مجال الإنفاق على مشروعات البنى التحتية.

وقياسا على ما أظهرته دراسات “قياس كفاءة الأداء” بالنسبة لقطاعات التعليم والخدمات الصحية والتنمية الاجتماعية والنقل والخدمات البلدية والمياه والزراعة والصناعة والموارد الاقتصادية الأخرى خلال الفترة 2007 ـــ 2011، فقد كشفت عن تواضع مؤشرات إنجازها التي انحصرت بين 13.5 في المائة كحد أدنى ونحو 24.1 في المائة كحد أعلى، وهي مؤشرات إنجاز متدنية جدا، لا ترتقي أبدا إلى الاعتمادات القياسية التي وقعتها الدولة لأجل الإنماء الشامل والمستدام في البلاد. أدى هذا التأخر الفادح في التنفيذ والأداء إلى تشكل ما يسمى “الفجوة التنموية”، التي تعني المسافة بين ما كان مستهدفا إنجازه في الميزانية العامة وفي خطط التنمية استنادا إلى الاحتياجات الماسة للبلاد والعباد من جانب، ومن جانب آخر ما تم إنجازه فعليا على أرض الواقع، الذي يأتي أدنى بكثير مما كان مخططا له سلفا، وأدنى بكثير مما تم تخصيص مليارات الريالات لأجل تنفيذه! فحينما يخرج رب الأسرة بأحد أفرادها بحثا عن مركز صحي أو مستشفى ثم لا يجده، فهذا يدون في تلك الفجوة التنموية! وحينما يبحث العاطل عن فرصة عمل ثم لا يجدها، فهذا يدون أيضا في تلك الفجوة، وهكذا دواليك؛ حينما يبحث أي مواطن أو مواطنة عن قضاء أي من احتياجاته المعيشية المختلفة ثم لا يجد ما يلبيها فهذا دون أدنى شك يدون في تلك الفجوة الخطيرة.

إذا تصعد مهمة محاصرة وسد هذه “الفجوة التنموية” بين أولويات الميزانية العامة للفترة المقبلة إلى المرتبة الأولى، وأن يتم العمل الحثيث والجاد من قبل الأجهزة الحكومية كافة على الإسراع بحل تلك الأزمات الناتجة عن تفاقم واتساع دائرة هذه الفجوة الخطيرة، وللعلم فقد كان خادم الحرمين الشريفين أول من أشار إلى هذه الفجوة بعبارة صريحة قبل أربعة أعوام أثناء إعلان الميزانية العامة للدولة لعام 2011، حيث قال في حديثه عن الميزانية: “المهم عليكم إخواني إتمامها بجد وإخلاص، والسرعة والتعاون في كل شيء يعوقها، لأن هذه أسمعها أنا من الناس وأحسها أنا بنفسي؛ بعض المشاريع إلى الآن ضائعة! لكن آمل منكم اللي يشوف عليه شيء أنه مقصر معه، أي أحد، وزير المالية يخبرني، لأن ما فيه تقصير أبدا أبدا، اللوم إذا جاء، يجيء على الوزير فقط!”. ولا يغفل في ضوء ما تقدم وما تمر به البلاد من تحديات جسيمة، عن التذكير بما سبق الإشارة إليه في أكثر من مقام ومقال سابق، على ضرورة العمل وبذل الجهود العليا من خلال “المجلس الاقتصادي الأعلى” لأجل تصميم ورسم رؤية شاملة للاقتصاد الوطني، تخضع لها الأجهزة الحكومية كافة دون استثناء، وبما يلغي انفراد كل جهة حكومية في عملها عن عمل جهة أخرى، تتبلور من خلال تلك الرؤية الشاملة والمشتركة، خطوط المستقبل بصورة متحدة ومتسقة، تسير في ضوئها جميع الأجهزة والمؤسسات سواء كانت حكومية أو غير حكومية، وبما يبعدنا جميعا عن الوقوع في فخ الحلول “الجزئية” أو “المنفردة”، وبما يقلص احتمالات التأخر والتعثر الذي طغى سلطانهما على العديد من المشروعات التنموية كما كشفت عنه دراسات قياس الأداء والإنجاز الحكومي طوال الفترة الماضية.

لينطلق تصميم وتنفيذ تلك الرؤية الشاملة للاقتصاد الوطني، ومتابعة ومراجعة بنودها وتفاصيلها الدقيقة من تحت مظلة “المجلس الاقتصادي الأعلى “وفقا لثلاث ركائز رئيسة، هي كالتالي: “الركيزة الأولى” رسم رؤية شاملة لمستقبل الاقتصاد الوطني، من خلال فريق استشاري متعدد التخصصات، يكون مؤهلا ومستقلا. “الركيزة الثانية” رسم السياسات الاقتصادية، التي تلتزم تماما بالمحاور التفصيلية للرؤية الشاملة أعلاه، وتنفيذها وفق برامج أداء سنوية “الأجهزة الحكومية المعنية”. “الركيزة الثالثة” متابعة الأداء والتنفيذ، والرقابة، والمحاسبة، وإعداد التقارير الدورية “نصف سنوية، سنوية”، ورفعها من قبل “فريق رقابي مستقل” إلى مقام رئيس المجلس الاقتصادي الأعلى. وللحديث بقية حول تلك الأولويات والمهام المطلوبة من الميزانية العامة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/12/24/article_917333.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.