ممنوع الوقوف.. ممنوع العودة للخلف

منذ بدأت بحمد الله وفضل منه محاربة الفساد وأسباب نشأته، ومطاردة نتائجه في كل واد به تهيم إهلاكا للحرث والنسل والخير، بدءا من المواجهة الجادة والجسورة ضد الاحتكار، خاصة فيما يرتبط بالأراضي، التي ما إن نشطت وزارة العدل مشكورة في محاصرته وإحكام سيطرتها عليه والكشف عن خفاياه، إلا انكشف معه ما لم يخطر على بال أحد من الكوارث الاقتصادية والمالية، بمن فيهم حتى المتورطون في تلك الجرائم والسرقات الخطيرة. حيث كشفت قناعا طال أمده عن أخطر الأسباب التي أفضت إلى تشكل واحدة من أكبر الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا ممثلة في أزمة السوق العقارية وسوق الإسكان، ثبت شرعا وعمليا أن مصدر هذه الأزمة كان مفتعلا من رأسها إلى أخمص قدميها، وأن تجفيف المعروض من الأراضي واحتكاره عبر مختلف القنوات غير المشروعة والمخالفة بمساحات وصلت إلى أضعاف حجم المدن الرئيسة، واستخراج صكوك وحجج استحكام باطلة عليها، وقف وراء صناعة هذه الأزمة التي ظل يدفع ثمنها الملايين من أفراد المجتمع، وترتب عليها ما ترتب من أزمات لا يعلم إلا الله بالمدى الخطير الذي وصلت إليه.

يُضاف إلى ملاحم مواجهة الفساد بمختلف أشكاله الضرب بيد من حديد التي رفعتها وزارة التجارة والصناعة على يد المتورطين في آفة التلاعب بالأسعار والغش والتستر التجاري وغيرها مما ظل المستهلك يدفع ثمنه وهو مغلوب على أمره، إلى درجة أصبحت فرائص التجار ترتعد أمام أفراد المستهلكين، وسبحان مغير الحال من حال! عدا ما قامت به وتقوم تجاه تسهيل بيئة الأعمال المحلية، والخطوات المتتالية من تسهيل إجراءات تأسيس وإنشاء كيانات القطاع الخاص، والعمل على خفض الجهود والتكاليف اللازمة لأجل ذلك، كل هذا وغيره من الجهود المرتقبة من الوزارة لا شك أنه يمثل اندفاعا محمود الخطوات، يُضاف جهده المخلص إلى جهود ما سبقها ممثلا في وزارة العدل.

ولا ولم يقف مد الإصلاح عند ما تقدم؛ بل شهدنا أيضا حمل لوائه من الهيئة العامة للاستثمار، انطلقت تعالج وتصلح ما أفسده ونتج عنه دهرا من تدفق سيل هائل من الاستثمارات الأجنبية، التي حصدت من المكاسب والأرباح أكثر مما قدمت لاقتصادنا على المستويات كافة، سواء من حيث زيادة استهلاكها لمصادر الطاقة المنخفضة التكلفة، أو من حيث تدني مساهمتها في توظيف العمالة الوطنية، أو من حيث تدني مساهمتها في تنويع القاعدة الإنتاجية. وينطبق على تلك الجهود التي أدت إلى بدء عديد من الشركات والمؤسسات الأجنبية التي فازت بالتراخيص بكل يسر وسهولة في وقت مضى، نراها اليوم تجر أذيال الهزيمة وتلغي تراخيصها بعد التعديلات والضوابط المهمة الجديدة التي سنتها الهيئة العامة للاستثمار للمحافظة على مصلحة الاقتصاد الوطني، ولم تستطع تلك الكيانات الأجنبية المرخصة سابقا الوفاء بها، ففضلت تقديم طلب إلغاء تراخيصها، لتغادرنا غير مأسوف عليها.

كل ما تقدم يجير لبلادنا وأهلها، ويجير فضله بعد الله إلى تلك الجهات الحكومية النشيطة، ويمثل مكاسب عديدة لا يمكن التراجع عنها مهما كلف الأمر، ويؤمل من بقية الأجهزة الحكومية أن تحذو حذو تلك الأجهزة التي تفوقت على كل المعوقات التي طالما كانت شماعات يُعلق عليها مسؤولون سابقون فشلهم، أو تقصيرهم في الوفاء بما كلفوا به من مهام ومسؤوليات.

ينتظر أكثر من عشرين مليون سعودي وسعودية إنجازا مماثلا من بقية الأجهزة، أولها وزارة الصحة بقيادتها الجديدة، التي زكتها لنا في تفاؤل محمود دموع طلاب جامعة جازان، وهو القطاع الذي إن تعاف أداؤه تعاف أداء بقية القطاعات والأفراد في بلادنا، وإن ظل معتلا سقيما، رأيت جراثيمه تنتشر كالوباء في بقية أصقاع المعمورة!

وننتظر جميعا وزارة الإسكان التي توشك الإمساك بزمام الأمور بحول الله، عبر فرض الرسوم على الأراضي داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وعبر منحها ما يُسترد من الأراضي المسروقة بسبب الصكوك الملغاة نتيجة تزويرها، وعبر منتجاتها الإسكانية التي أعلنت عن استحقاقاتها للمستحقين قبل يومين.

وننتظر جميعا تعديلا جوهريا في أداء وزارة العمل، التي كانت هي أول المخدوعين بكل ما جرى من تطورات في سوق العمل، وأن تعود إلى سبيل الرشاد فتصلح أولا ما صنعته يداها من توطين وهمي تفاقم في مرابع السوق إلى أكثر 62 في المائة من زيادة التوظيف، ومما بدأت تظهر فواجع نتائجه عبر خفض أجور السعوديين في السوق، وزيادة الاستغناء عن خدماتها، خاصة العاملين ذوي الأجور المتوسطة والمرتفعة، وعبر زيادة الاستقدام وتفشي سيطرة العمالة الوافدة في مختلف جنبات السوق، وليس سبيل الرشاد بالنسبة لوزارة العمل ببعيد عنها، فقد دونته القيادة السابقة للوزارة في استراتيجية التوظيف السعودية، تلك الاستراتيجية التي استغرق العمل عليها نحو أربعة أعوام، لتجد مصيرها الأخير بكل أسف في أرشيف الوزارة، لتُنسى وتُهدر مع دفنها في أعماقه جهود مخلصة بُذلت، وأموال طائلة دفعت، فهل من عودة إلى ذلك السبيل من الرشاد؟

والحديث بعمومه هنا يشمل الأجهزة الحكومية الأخرى كافة، فخطوات التطوير والإصلاح مضت إلى الأمام، وهي تحمل لواء عنوانه الأبرز لن تقف تلك الخطوات، ولن ولا يُسمح لها بالعودة إلى الوراء مهما كلف الأمر! فإما أن تكون أهلا لحمل فكر وروح ذلك اللواء، وإما أن تترجل عنه وتدع لغيرك من القادرين على حمله الفرصة والوفاء برسالته الإصلاحية والوطنية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/12/29/article_918611.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.