هل اقتصادنا بحاجة إلى صندوق سيادي؟

يبين وضع الاستثمار الدولي للمملكة حتى نهاية النصف الأول من 2014 أن حجم الأصول يصل إلى أكثر من 4.1 تريليون ريال، تتوزع على أربعة أقسام رئيسة هي كالتالي: (1) الاستثمار المباشر في الخارج بنحو 192.8 مليار ريال، تشكل 4.7 في المائة من إجمالي حجم الأصول. (2) استثمارات الحافظة الاستثمارية بنحو 686.5 مليار ريال، تشكل 16.7 في المائة من إجمالي حجم الأصول، وتتكون من حقوق الملكية وأسهم صناديق الاستثمار “452.9 مليار ريال” وسندات الدين “233.7 مليار ريال”. (3) استثمارات أخرى بنحو 456.8 مليار ريال، تشكل 11.1 في المائة من إجمالي حجم الأصول، وتتكون من القروض “5.7 مليار ريال”، العملة والودائع “318.6 مليار ريال”، حسابات أخرى مستحقة القبض “132.4 مليار ريال”. أخيرا (4) الأصول الاحتياطية بنحو 2.8 تريليون ريال، وتتكون من الذهب النقدي “1.6 مليار ريال”، حقوق السحب الخاصة “36.2 مليار ريال”، وضع الاحتياطي لدى صندوق النقد الدولي “18.6 مليار ريال”، الأصول الاحتياطية الأخرى “2.7 تريليون ريال”، تنقسم هذه الأخيرة إلى قسمين: الأول: عملة وودائع “645.8 مليار ريال”، الثاني: أوراق مالية “2.1 تريليون ريال”.

بالنسبة للعائد الإجمالي على تلك الأصول، فقد بلغ لآخر خمسة أعوام على النحو الآتي: عام 2010 نحو 2.5 في المائة “دخل استثمار سنوي يبلغ 67.3 مليار ريال”، عام 2011 نحو 2.4 في المائة “دخل استثمار سنوي يبلغ 73.2 مليار ريال”، عام 2012 نحو 2.5 في المائة “دخل استثمار سنوي يبلغ 87.8 مليار ريال”، عام 2013 نحو 2.4 في المائة “دخل استثمار سنوي يبلغ 93.7 مليار ريال”. فيما بلغ العائد السنوي للعام 2014 حتى نهاية النصف الأول نحو 2.4 في المائة “دخل استثمار لنصف عام يبلغ 49.4 مليار ريال”.

رغم ارتفاع حجم تلك الأصول إلا أن العائد عليها يظل كما يتبين أعلاه أقل حتى من نسبة التضخم، وأدنى من يتم الاعتماد عليه في تمويل المصروفات الحكومية، إذ لم تتعد عشر إجمالي مصروفات الحكومة طوال تلك الفترة، ولا يتوقع بهذا الأداء والنمو القائم في حجم المصروفات أن تتجاوزه مستقبلا.

الآن؛ بالنظر إلى المقترحات التي ترى تحويل أغلب تلك الأصول إلى هيئة مستقلة تتولى مهام إدارة تلك الثروات تحت صيغة صناديق سيادية، تستقل تماما عن وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي، مفترضة تلك المقترحات أن بإمكانها تحقيق معدلات ربحية تتجاوز تلك المعدلات المتدنية ثلاثة إلى أربعة أضعاف؛ وبافتراض صحة تلك التوجهات أو المقترحات فنتائجها المحتملة تشير إلى إمكانية رفع مساهمة عوائدها السنوية إلى إجمالي المصروفات الحكومية ما بين 35 في المائة و40 في المائة! وبما يتجاوز ثلث حجم الإيرادات الحكومية منفردة، في حين بإضافتها إلى الإيرادات الأخرى غير النفطية، فإن مساهمتها في إجمالي الإيرادات سترتفع بها إلى ما بين 42 في المائة و48 في المائة من إجمالي الإيرادات! أي ما معناه أنها ستمنح للمالية العامة مرونة أكبر بكثير من الوضع الراهن في التعامل مع أية تحديات قد تواجه المالية العامة نتيجة أي تراجع محتمل في أسعار النفط، وهو اليوم أصبح واقعا لا احتمالا كما شهدنا جميعا لأسعار النفط منذ مطلع النصف الثاني للعام الجاري.

لا يعني كل ما تقدم أنني أؤيد بالكامل على علاته، خيار أصحاب التوجه بضرورة تأسيس هيئة مستقلة عن وزارة المالية ومؤسسة النقد، تتولى الإشراف على إدارة تلك الاحتياطيات والثروات، إلا أنه خيار يجب النظر إليه وفق عدد من الاعتبارات الأعلى أهمية من وجهة نظري التي تحتمل الخطأ قبل أن تحتمل الصواب، أبينها فيما يلي:

الاعتبار الأول: أن يتم تحديد سقف أعلى لتلك الأصول في الخارج، كأن لا تتعدى بحد أقصى 50 في المائة من حجم إجمالي الناتج المحلي. الاعتبار الثاني: أن يتم تقديم خيار توظيف تلك الثروات داخل الاقتصاد الوطني، والعمل على تصميم برنامج إنمائي لها مستقل تماما عن الميزانية العامة، يتولى دفة إداراته جهاز مستقل يعمل تحت المجلس الاقتصادي الأعلى، تكون أهدافه الرئيسة تحقيق التنويع اللازم لقاعدة الإنتاج المحلية وفق برامج وسياسات محددة، تنظر بعين الاهتمام إلى: (1) تأسيس المشروعات العملاقة التي يحتاج إليها الاقتصاد الوطني، والدخول في شراكات استراتيجية مع القطاع الخاص والشركات الأجنبية العملاقة، ليتحقق من خلال تنفيذ برامجها التنويع الإنتاجي، وتوسيع الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، التي بدورها ستزيد من الفرص الاستثمارية المستغلة بالداخل، وتساهم في الوقت ذاته في إيجاد مئات الآلاف من فرص العمل الكريمة للمواطنين والمواطنات. (2) تمويل المنشآت المتوسطة والصغيرة، وتولي دعمها وتحفيزها بصورة أقوى مما هو قائم اليوم، وأن يتركز ذلك الدعم بصورة أكبر في المناطق خارج المدن الرئيسة، ويتركز على المنشآت المأمول وجودها في المدن وحاضنات الأعمال الجديدة.

الاعتبار الثالث: يأتي الآن التفكير في استقلالية المتبقي من تلك الثروات والاحتياطيات، فيؤيد وفق الصيغة التي تقدم ذكر اعتباراتها الأولى، أن تتولى هيئة مستقلة عن وزارة المالية ومؤسسة النقد إداراتها، وفق الصيغ المتعارف عليها دوليا فيما يسمى الصناديق السيادية، فتتولى إدارة واستثمار الحصة المتبقية من تلك الثروات، التي تم تحديد سقفها الأعلى بما لا يتجاوز 50 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وأن ينحصر دور وزارة المالية في الدور الرئيس الذي لأجله أوجدت فقط “تحصيل الإيرادات، وصرف المصروفات”، ودور مؤسسة النقد ممثلا في الأدوار التقليدية المنوطة بالبنوك المركزية فقط.

أمام هذا النموذج الاقتصادي الذي أراه أفضل بكثير مما هو قائم اليوم “وقد أكون مخطئا”، أتصور أن إنجازا تنمويا حقيقيا يمكن أن يتحقق مستقبلا، عوضا عن تجربتنا الراهنة التي ينصرم عامها الخامس والأربعون دون تقدم حقيقي على طريق تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ودون قدرة على تجاوز تحدياتنا التنموية التي ظلت تتصاعد أحجامها بصورة لافتة وأحيانا تتجاوز درجات الخطر المقبولة، من ارتفاع لمعدلات البطالة بين الشباب والفتيات، وتراجع لقوة دخل الأفراد العاملين، وزيادة مفرطة في الاستقدام والواردات، نتج عنها ارتفاع معدلات التسرب الاقتصادي والمالي، عدا الكثير جدا من الأزمات لا التحديات التي يواجهها الاقتصاد والمجتمع على حد سواء! أخيرا؛ هل تعلم أن النموذج المقترح أعلاه، كانت تقوم به وزارة المالية تقريبا بكل أدواره منذ 45 عاما مضت؟ وما النتيجة؟ إنها ما نحصده في الوقت الراهن من تحديات تنموية جسيمة! فهل من إعادة للنظر إلى هذه المحطة المتعثرة تنمويا؟ وليس فقط مجرد النظر أو التفكير في تأسيس صناديق سيادية من عدمه؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/12/31/article_919111.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.