توقعات 2015 بين الحذر والأمل

أنهى الاقتصاد الوطني عام 2014 على نمو حقيقي بلغ معدله 3.6 في المائة، مقارنة بنحو 2.7 في المائة لعام 2013، وسجل القطاع غير النفطي للاقتصاد نموا حقيقيا بلغ 5.1 في المائة، كان أقل من النمو المتحقق خلال العام الأسبق البالغ 6.4 في المائة، وعلى الرغم من النمو الجيد والقوي للصناعات التحويلية “دون تكرير الزيت” بنحو 6.5 في المائة، مقارنة بنموه الأسبق 6.3 في المائة، إلا أن مساهمته إلى الناتج المحلي الإجمالي ما زالت في مستويات متدنية، لم تتجاوز بالأسعار الثابتة سقف 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة الحقيقية التي تعكس درجة التنوع في القاعدة الإنتاجية المحلية. بالنسبة للتضخم، فقد ارتفع بمعدل 2.7 في المائة مع نهاية 2014، مقارنة بمعدل ارتفاعه لعام 2013 الذي بلغ 3.5 في المائة.

على مستوى التجارة الخارجية؛ سجلت الصادرات السلعية للعام الثاني على التوالي تراجعا بنحو 6.6 في المائة إلى 1.32 تريليون ريال، متأثرة بتراجع الصادرات البترولية بنحو 9.0 في المائة إلى 1.1 تريليون ريال، على الرغم من ارتفاع الصادرات غير البترولية للعام نفسه بنحو 7.8 في المائة إلى 218.6 مليار ريال، في المقابل واصلت الواردات السلعية ارتفاعها للعام الخامس على التوالي، مسجلة نموا سنويا بلغ 1.4 في المائة إلى 639.1 مليار ريال.

أخيرا وليس آخرا؛ أظهرت معدلات البطالة للسعوديين حسب أحدث بيانات تم نشرها في منتصف عام 2014 ارتفاع المعدل بنسبة طفيفة إلى 19.3 في المائة “657.04 ألف عاطل”، فيما سجل تراجعا طفيفا بالنسبة لمعدل بطالة الذكور السعوديين إلى 12.4 في المائة “260.3 ألف عاطل”، وحافظ تقريبا على مستواه نفسه بالنسبة للعاطلات الإناث السعوديات عند 30.3 في المائة “396.7 ألف عاطلة”، ووصل إجمالي أعداد العمالة في سوق العمل إلى نحو 11.4 مليون عامل، وصل حجم العمالة الوطنية منها إلى أكثر من 2.7 مليون عامل، مقابل ارتفاع حجم العمالة الوافدة إلى أكثر من 8.6 مليون عامل وافد، وبينما وصلت نسبة التوطين في الوظائف الحكومية إلى 94.0 في المائة، فقد ارتفعت النسبة ذاتها في القطاع الخاص إلى 15.8 في المائة، مقارنة بنحو 15.2 في المائة للعام الأسبق.

يبدأ الاقتصاد الوطني عامه المالي الجديد في ظروف تختلف كثيرا عما عايشه طوال الأعوام الأخيرة، لعل أبرزها الانخفاض القائم في سعر النفط، الذي فقد نصف قيمته السوقية منذ منتصف العام الماضي. كما يبدأ عامه الأول من عمر الخطة التنموية العاشرة في ظروف مختلفة جدا عما شهده أثناء الخطة السابقة، وقد يطرأ الكثير من التغيير على الخطة العاشرة، التي تم تصميمها تحت مظلة العديد من المتغيرات التي لم تحتسب أو تتوقع التراجع الذي طرأ على سعر النفط، وهو ما صرحت به وزارة الاقتصاد والتخطيط أخيرا.

إنها مرحلة زمنية مقبلة مختلفة في الكثير من أوجه عناوينها الرئيسة، ودون أدنى شك أنها ستحمل الكثير من التغيرات في تفاصيلها الفرعية! والحديث هنا يشمل الإنفاق الحكومي، الذي يحمل عجزا متوقعا بنحو 145 مليار ريال، قد يمنحه توافر وسادة هائلة من الاحتياطيات الخارجية مرونة أكبر في إطار مواجهته للتحديات المقبلة على أقل تقدير في العام الأول، غير أنه لن يكون بالقدر نفسه من المرونة في مواجهة العام الذي يليه إن استمر سعر النفط في مستوياته المتدنية الراهنة، وقد تختفي تلك المرونة تماما في العام الثالث إذا استمرت تلك الأوضاع في السوق العالمية للنفط.

على الرغم من كل ما يُثار حول تقدم أو تأخر درجة التنويع الإنتاجي المحلي، وغيرها من مؤشرات الأداء المتعلقة بالجوانب التنموية المرتبطة بالتوظيف وتحسين مستوى الدخل ومحاربة الفقر، ومستوى إنجاز الخطط التنموية المتعلقة بتشييد البنى التحتية والطرق والمراكز الصحية والمستشفيات والمدارس والخدمات البلدية والإسكان، التي راوحت درجات إنجازها في الخطة التنموية الأخيرة بين 11 في المائة إلى 24 في المائة من الخطط المستهدفة، أقول على الرغم من كل تلك المؤشرات التي تباينت نتائجها، وإن كان أهمها لم يصل إلى الدرجة المقبولة من حيث الأداء، خاصة تلك المرتبطة بالتنمية المستدامة للمجتمع، وأعني هنا مجالات التوظيف وتحسين مستويات الدخل والإسكان والخدمات الصحية والبلدية والنقل والمواصلات تحديدا، إن تحقيق تقدم على مستوى إنجازها في ضوء الظروف المحتملة المقبلة، سيأخذ درجة أعلى بكثير من التحدي مقارنة بالأعوام الماضية، وسيكون أي تأخر أو تعثر ـــ لا قدر الله ـــ في طريق أي من تلك المسارات التنموية له انعكاسات غير محمودة على الإطلاق، ما يقتضي بالضرورة القصوى تعويض النقص المحتمل في الموارد المالية بدرجات أعلى من الرقابة والإشراف والمتابعة، وهي الأدوات التي يقف وراءها أكثر من جهاز وجهة حكومية، بدءا من ديوان المراقبة مرورا بالهيئة الوطنية لمكافحة الفساد ومعها وزارة الاقتصاد والتخطيط، وأخيرا مجلس الشورى، ولعل هذا التعدد وغياب التنسيق والعمل المشترك بين كل تلك الجهات العديدة، هو إحدى نقاط الضعف التي أدت إلى انخفاض كفاءة الأداء والرقابة، وقد يكون بعيدا عن الواقع قياسا على البيروقراطية التي تسيطر على أعمال تلك الجهات المتعددة؛ أن يأمل أحدنا بانتهاء هذه المعضلة في أقل من عام واحد، على الرغم من أنه كان أكثر ما تمت المطالبة به طوال العقد الأخير، إلا أن ذلك يجب ألا يمنع أو يقف حجر عثرة ليتولى تلك المهام الضرورية أحد تلك الأجهزة كمبادرة منه، والحق أنني لا أستطيع ترشيح أيا منها على حساب الآخر في ضوء الظروف المستقبلية المقبلة، والمأمول أن تأتي المبادرة من كل جهاز منها دون النظر إلى تلك المعوقات والمثبطات على أرض الواقع.

سنكون في مواجهة تحديات استمر تفاقمها عدة سنوات مضت، وبعضها عدة عقود! وإن كانت درجة التقدم في مواجهتها جاءت أدنى من المأمول بكثير في ظل أوضاع مالية بالغة اليسر، فلا شك أن مواجهتها في ضوء الظروف الأقل يسرا، أو الأكثر صعوبة مما مضى، أؤكد أنها ستكون مواجهة حامية الوطيس دون مبالغة! أمامنا تحديات الأزمة الإسكانية، ومعضلة ضعف قنوات التوظيف وخفض معدلات البطالة وتحسين مستويات الدخل، ولدينا الملف القديم العتيد المتمثل في ضآلة التنويع الإنتاجي، الذي مهد له التعقيد المصاحب لتأسيس وإنشاء المشروعات في البيئة الاستثمارية المحلية، وما أفضى إليه من ضيق في القنوات الاستثمارية، وأخيرا تأخر درجات الأداء بالنسبة للمشروعات الحكومية بكل ما تشمله من مكونات الخدمات الصحية والبلدية والتعليمية والنقل والمواصلات، وترشيد الاستهلاك المفرط لمصادر الطاقة والكهرباء والمياه وضرورة العمل الجاد على رفع كفاءته. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/03/article_919846.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.