العلاقة الطردية بين وزارة العمل والبطالة

أنهت وزارة العمل عامها الرابع وتدخل العام الخامس مع سلّة عملاقة اكتظّت بالعشرات من البرامج والمبادرات والإجراءات والقرارات، وقد يتجاوز محتوى تلك (السلّة العملاقة) سقف المائة من أعداد تلك البنود التي تعدّدت ألوانها واتجاهاتها، دع عنك ما يطرأ على أيّ منها من تعديلات وتبديلات في منظور عدّة أشهر تلي إقرارها، وأحياناً تظنّ أنّ تلك التعديلات ليست سوى إلغاء لما سبق بعد ثبوت عدم صحته، وإقرار برنامج محل برنامج آخر، وهكذا جرت وتجري أوضاع سوق العمل السعودية طوال تلك الفترة، حتى أصبح العنوان الرئيس لتلك المسيرة الطويلة (الإدارة بالتجربة صح أو خطأ)، وماذا كانتْ النتيجة النهائية لتلك السلّة الثقيلة الوزن مما تقدّم ذكره؟

النتيجة الأهم، أنّ علاقة طردية نشأت بين ما تقوم به وزارة العمل وعدد من القضايا الجوهرية في السوق، أسردها هنا تباعاً ثم آتي على تفاصيلها بعد قليل؛ أولها: العلاقة الطردية لما قامت وتقوم به وزارة العمل مع زيادة أعداد العاطلين عن العمل (البطالة). ثانيها: العلاقة الطردية لوزارة العمل مع زيادة الاستقدام بمعدلات غير مسبوقة. ثالثها: العلاقة الطردية لوزارة العمل مع زيادة التحويلات المالية للخارج (التسرّب المالي). رابعها: العلاقة الطردية لوزارة العمل مع زيادة التعقيدات على منشآت القطاع الخاص، وتحديداً الصغيرة والمتوسطة ما تسبب في زيادة توقّف نشاطاتها وإفلاسها. خامسها: العلاقة الطردية لوزارة العمل مع زيادة لجوء أغلب منشآت القطاع الخاص إلى التلاعب والتوظيف الوهمي، نتيجة استحالة الوفاء بمتطلبات تلك البرامج والمبادرات النرجسية أكثر من كونها عملية. سادسها: العلاقة الطردية لوزارة العمل مع زيادة تكلفة التشغيل والأعباء المالية على أغلب أطراف سوق العمل من منشآت وعمالة وطنية على حدٍّ سواء، وحتى على الميزانية العامّة للدولة، نتيجة اختراع الكثير من الرسوم والاستقطاعات المالية، عدا الخصومات التي يتم إيقاعها على المستفيدين من نظام حافز. آتي الآن لإيضاح ما تقدّم من نتائج ببعض التفصيل المدعوم بالأرقام والإحصاءات الرسمية.

فيما يتعلّق بالعلاقة الطردية بين ما قامت وتقوم به وزارة العمل مع زيادة أعداد العاطلين عن العمل (البطالة)، تبيّن بيانات العاطلين عن العمل بموجب ما صدر عن المصلحة العامّة للإحصاءات والمعلومات، ودون الاعتماد على ما يستودعه صندوق الموارد البشرية من عاطلين يفوق عددهم الضعف، أنّ أعداد العاطلين وصل مع منتصف 2014 إلى أكثر من 657 ألف عاطل (معدل بطالة 19.3 في المائة)، مقارنة بنحو 501.3 ألف عاطل (معدل بطالة 23.7 في المائة) بنهاية 2010، وهو ما يوحي في ظاهره انخفاضاً في المعدل المرتفع جداً (لاحظ أن المعدل لم يتم احتسابه بناءً على بيانات صندوق الموارد البشرية، وإلا رأيت ضعف هذا المعدل المخيف). ولكن حينما تستبعد المتورطين في التوظيف الوهمي، والذين تراوحت نسبتهم إلى العمالة الوطنية في القطاع الخاص بين 14.6 و 16.1 في المائة، وإضافتهم إلى أعداد العاطلين كونهم مجرد التفاف على برامج التوطين، ولا يشكّلون فعلياً كونهم عاملين، فإن أعداد العاطلين مع منتصف 2014 سترتفع إلى 902.2 ألف عاطل، ومن ثم سيرتفع معدل البطالة الحقيقي إلى 26.5 في المائة.

أمّا على مستوى العلاقة الطردية مع زيادة الاستقدام بمعدلات غير مسبوقة، فكما تُظهر بيانات وزارة العمل نفسها؛ فقد ارتفع إجمالي التأشيرات الصادرة عن الفترة 2011-2013 إلى 6.45 مليون تأشيرة، بمعدل نمو عن السنوات الثلاث التي سبقتها 2008-2010 تجاوز 26.3 في المائة، واللافت في هذا الجانب أنّ التباين في استحقاقات منشآت القطاع الخاص من تلك التأشيرات، أخذ يتسّع نطاقه بين شركات محدودة ومعينة تتوافر لديها الفرص أكثر من غيرها في سهولة استصدار التأشيرات، مقابل شركات أخرى تكاد تكون محرومة تماماً من الحصول على أية تأشيرة، كان للمنشآت الصغيرة والمتوسطة الحصّة الأكبر من تلك الحصص الممنوعة بالقيود النظامية الجديدة. وبالنسبة للعلاقة الطردية مع زيادة التحويلات المالية للخارج (التسرّب المالي)، فقد سجّلت نمواً مطّرداً منذ 2011 حتى نهاية العام الماضي، جاء على الترتيب التالي: عام 2011 نحو 110.4 مليار ريال بنمو سنوي 4.8 في المائة، ثم 2012 بنحو 125.2 مليار ريال بنمو سنوي 13.4 في المائة، ثم 2013 بنحو 148 مليار ريال بنمو سنوي 18.1 في المائة، ويقدّر لعام 2014 حسب البيانات إلى تشرين الثاني (نوفمبر) أن ترتفع إلى نحو 152 مليار ريال بنمو سنوي يناهز 3.0 في المائة. ليصل إجمالي ما تم تحويله للخارج من أموال خلال الفترة 2011-2014 إلى 535.3 مليار ريال! وفيما يتعلق بالعلاقة الطردية مع زيادة التعقيدات على منشآت القطاع الخاص، وتحديداً الصغيرة والمتوسطة ما تسبب في زيادة توقّف نشاطاتها وإفلاسها، فيكفي الإشارة إلى بيانات وزارة التجارة والصناعة، التي بيّنت أنّ عدد المنشآت التي توقّف نشاطها وطردها من النشاط الاقتصادي والتجاري خلال الفترة 2012-2013 بلغ 274.0 ألف منشأة صغيرة جداً وصغيرة، وهو ما سبق الكتابة عنه في مقال تم نشره هنا في «الاقتصادية» نهاية تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وفيما يتعلّق بالعلاقة الطردية مع زيادة لجوء أغلب منشآت القطاع الخاص إلى التلاعب والتوظيف الوهمي، وهو ما كانت ترفض وزارة العمل الاعتراف به حتى نهاية 2013، نراها اليوم تستحث همّتها لمحاربته! أؤكد مذكّراً لها أنّ هذه الثغرة أو المطب الذي وقعت فيه، ليس إلا إحدى النتائج التي توقعتها استراتيجية التوظيف السعودية التي لم تلتزم بها، ولهذا وفقاً لبيانات وزارة العمل تراوح نسب التوظيف الوهمي لدى منشآت القطاع الخاص بين 14.6 و 16.1 في المائة من إجمالي العمالة الوطنية في القطاع الخاص، وهو ما يعني لسقف 250 ألف وظيفة بنهاية 2014، وفي حال تم إسقاطه على معدلات التوطين الفعلية، فإن معدل التوطين في القطاع الخاص سينخفض من 15.8 في المائة إلى ما دون 13.7 في المائة!

أخيراً؛ العلاقة الطردية مع زيادة تكلفة التشغيل والأعباء المالية على أغلب أطراف سوق العمل من منشآت وعمالة وطنية والميزانية العامّة للدولة، قد أظهرت الحقائق الفعلية المشار إليها أعلاه، ضعف النتائج التي آلت إليها في مجال توطين الوظائف، والحد من زيادة الاعتماد على استقدام العمالة الرخيصة والمعدوم في أغلبها التأهيل العلمي، والاعتراف بالتشوهات القائمة في هيكلة القطاع الخاص ووظائفه الموجودة، فلم يقابل كل تلك الانحرافات عن مسار إعادة هيكلة القطاع، وعدم الالتزام باستراتيجية التوظيف السعودية، إلا مثل هذه النتائج الوخيمة، ولهذا أنصبّ نظر وزارة العمل ومعها صندوق الموارد البشرية على زيادة متحصلاتهم المالية من تلك التشوهات، عوضاً عن معالجتها بما كان يجب، وما نصّت عليه بنود الاستراتيجية بعيداً عن إهلاك الأموال واستنزافها بتلك الصورة، التي لم يكسب من ورائها إلا الوزارة والصندوق فقط. وللحديث بقية مهمة، لأجل تصحيح كل هذه الانحرافات البالغة الضرر على الاقتصاد الوطني. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2015/01/07/article_920731.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.