أسباب وآثار الرسوم على الأراضي

اختتم العام الهجري الماضي 1435 نشاطه على صفقات بلغت قيمتها الإجمالية 440.5 مليار ريال، بنمو سنوي عن عام 1434 بلغت نسبته 13.4 في المائة، تم خلال العام نقل أصول عقارية كان أغلبها أراضي فقط تجاوزت مساحتها الإجمالية 3.6 مليار متر مربع. بلغت قيم الصفقات على الأراضي الزراعية وقطع الأراضي خلال العام 414.11 مليار ريال، أي ما يشكّل 94.0 في المائة من إجمالي قيمة صفقات السوق، وبلغت المساحات المتداولة لتلك الأراضي 3.59 مليار متر مربع، أي ما يشكل 99.4 في المائة من إجمالي مساحات صفقات السوق.

في المقابل، تراجعت قيم الصفقات على المنتجات العقارية خلال عام 1435 بنحو- 0.8 في المائة إلى 19.9 مليار ريال، مقارنة بنحو 20.1 مليار ريال في 1434، لتنخفض نسبتها لإجمالي قيم الصفقات إلى 4.5 في المائة، مقارنة بنحو 5.2 في المائة المسجلة خلال العام الأسبق. وعلى الرغم من ارتفاع مساحات المنتجات العقارية بنسبة طفيفة بلغت 2.3 في المائة، من 6.4 مليون متر مربع إلى 6.5 مليون متر مربع، إلا أن نسبتها إلى إجمالي المساحات تراجعت إلى 0.2 في المائة بنهاية 1435، مقارنة بنحو 0.5 في المائة نهاية العام الأسبق.

سيجد القارئ الكريم المزيد من التحليل حول أداء السوق العقارية خلال العام الماضي، في التقرير الأسبوعي الذي سينشر غدا الثلاثاء بمشيئة الله، وما تم استعراضه أعلاه ليس العناوين الأبرز، والتي تهمنا في مقال اليوم بخصوص الأسباب وراء فرض الرسوم على الأراضي، والآثار المرتقبة بعد فرضها وتطبيقها.

كما يتبيّن أن سوق المنتجات الإسكانية تكاد لا توجد أو حتى تذكر مقارنة بحجم وقيم الصفقات على الأراضي، رغم أن الأولى (المنتجات الإسكانية) هي صلب الأزمة التي نواجهها اليوم! بل إن أسعارها تضخمت بفعل المضاربات المحمومة على الأراضي، وخرجت عن السيطرة، وتسببت في الأزمة الراهنة. لهذا فأي حل يحاول الابتداء من محطة المنتجات الإسكانية، تبيّن الإحصاءات والإثباتات الرسمية أن مصيره إلى الفشل التام، وهو ما يجب أن يستقر في أذهان كل من له علاقة بوضع حلول هذه الأزمة المفتعلة وغير المنطقية.

لم يعد بمقدور أغلب السكان الحصول على مسكن، وإن حدثت مقاطعة من قبل شرائح من السكان، فإنها دون أدنى شك ناتجة عن فقدان القدرة المالية كأول الأسباب، وهو ما تثبته بيانات وزارة العدل، فقد تراجع شراء وحدات الفلل من 5668 فيلا مبيعة خلال 1434 إلى 3712 فيلا مبيعة خلال 1435، أي أنها سجلت انخفاضا بلغت نسبته -34.5 في المائة، وهو أمر يفسره الارتفاع الهائل في متوسط أسعار الفلل خلال الأعوام الأخيرة، حيث ارتفع من نحو 625 ألف ريال للفيلا الواحدة خلال 1430 إلى أن بلغ بنهاية 1435 نحو 1.5 مليون ريال، أي بنسبة ارتفاع فاقت 136.1 في المائة! أبين هذه الجزئية كعنوان على الركود الذي واجهته السوق في الجزء الأهم منها، لا أجزاء المضاربات والتضليل التي تفاقمت تشوهاتها بصورة خارجة عن السيطرة، أوصلتها إلى سقوفها فوق 414 مليار ريال، وستظل تواجه ركودا وتراجعا في نشاطها ما دامت تلك التشوهات متجذرة في أعماق الاقتصاد والسوق، ولن تقف عند تلك الحدود حتى تطيح بمقدرات البلاد والعباد، لتورطها في أخطر ما يمكن أن تتورط فيه الاقتصادات والمجتمعات في التاريخ البشري.

لن يأخذ التحذير هنا صيغة عامة، قد تحمل من الإبهام أكثر مما يفترض أن تحمله من الإيضاح! ذلك أن تلك الأخطار التي أتحدث عنها، تنطلق من أن تفاقم التشوهات في السوق العقارية من التباين في مستويات الدخل، حيث ستؤدي ديمومتها إلى توسيع الهوة بين دخل الأثرياء (ملاك العقارات والأراضي) من جهة، ومن جهة أخرى مع مستوى دخل بقية طبقات المجتمع، التي سيزداد سحقها تحت وطأة التضخم وتهالك القوة الشرائية للدخل، والديون المتراكمة، تكون نتائجها النهائية وخيمة ومدمرة، ووفقا لدراسة صادرة عن صندوق النقد الدولي بعنوان:Inequality, Leverage and Crises فيNovember 2010 قام بإعدادها:Michael Kumhof and Romain Rancière، ستواجه المجتمعات التي يسود أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية مثل تلك التشوهات، والتفاوت الكبير بين مستويات دخل الطبقات الثرية وبقية طبقات المجتمع المتوسطة والفقيرة، تؤكد الدراسة أنها ستواجه أزمات مدمرة، تتجاوز انهيارات القطاعات المالية أو حتى تعرض الاقتصادات إلى كساد وما يصاحبها من آثار مدمرة عليها، قد توصلها إلى انهيار البنية الاجتماعية والاقتصادية على حد سواء. فهل يدرك حتى المتورطون في تلك تقوية عضد تلك التشوهات الخطيرة، إلى أين سيذهبون بنا؟

يستهدف العمل الحكومي الراهن الساعي إلى فرض الرسوم أو الغرامات على الأراضي المحتكرة سد باب الأزمة المفتعلة، والعمل على إعادة التوازن إلى السوق عبر تفكيك قلاع الاحتكار الرابضة في كل متر مربع من الأراضي، وليست القضية هنا مجرد تحميل تكلفة أو عبء ضريبي على ملاك تلك المليارات من التراب، بقدر ما أنها أداة ضمن أدوات أخرى كنزع ملكية الأراضي المعطلة والمحتكرة لفترات زمنية طويلة، تستهدف مجتمعة منع اكتناز الأراضي بالصورة الراهنة، وتحفيز ملاكها لضخها فورا إلى جانب العرض، ومن ثم تحقيق التوازن المعدوم بين قوى العرض والطلب في السوق، ولعل قيام القارئ الكريم باستنتاج مجموع ما تم تداوله طوال الفترة 1430-1435 من مساحات لجميع فئات الوحدات السكنية (37.7 مليون متر مربع فقط)، ونسبته إلى ما تقدر مساحته كثروة من الأراضي الصالحة للتطوير والإعمار في بلادنا بنحو البالغ مساحتها نحو 6.0 مليارات متر مربع، وأن تلك النسبة لا تتعدى 0.00063 في المائة، سيتأكد لديه أي فوهة بركان مدمر نقف جميعا عليها!

إن تطبيق تلك الرسوم والغرامات، وغيرها من الأدوات والإجراءات المرتقبة قريبا، ستكون سببا -بعد توفيق الله عز وجل- في منع تلك الآثار المدمرة من التحقق، وستحول الأزمة المفتعلة بأقل التكاليف إلى أحد معززات الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في بلادنا، وستسد نوافذ العديد من الشرور والأخطار التي تهددنا، ومن يطلع على تفاصيل دراسة صندوق النقد الدولي المشار إليها أعلاه، وعلى العديد من المقالات والتقارير التي تتناول هذا الملف الشائك، ستتأكد لديه قناعة تامة بأهمية وسرعة حل ملف هذه الأزمة الإسكانية، سواء بالرسوم أو بغيرها من الإجراءات اللازمة. ولعله من المفيد القول لبعض من يرفض تلك الحلول، وتحديدا الرسوم والغرامات، إذا وجدت بلدا في العالم يواجه نفس ما نواجهه من تحديات واحتكار مماثل بالصورة التي أوضحتها البيانات الأخيرة لوزارة العدل، فأت بها مشكورا! وإن لم تأت بها ولن تستطيع لأنك لن تجد، فلا أظنّه من الحق في شيء أن تزعم بعدم جدوى الرسوم لدينا، قياسا على بلدان لا تعاني من 1.0 في المائة من التشوهات القائمة لدينا. وللحديث بقية. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/27/article_899461.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.