مصارفنا المحلية.. هل من مزيد؟

تتمتع مصارفنا المحلية بالعديد من الامتيازات، التي لا حصر لها، يذهب جلها إلى أعداد محدودة جدا من كبار الملاك، في المقابل تتدنى مساهمتها الاقتصادية والاجتماعية مقارنة بتلك الامتيازات والحماية من مؤسسة النقد، وإن حاولت أذرعها الإعلامية ومؤسسات العلاقات العامة بث عكس تلك الحقيقة، التي سيأتي تفصيلها بعد قليل.

لا يوجد في الاقتصاد المحلي من يحقق أرباحا على رأس المال كالمصارف، والأرقام تثبت هذه الحقيقة؛ فخلال الأعوام العشرة الماضية لم تنخفض نسبة الأرباح إلى رأس المال عن 25 في المائة (2010)، حتى في العام الذي تفجرت خلاله الأزمة المالية العالمية أيلول (سبتمبر) 2008 والعام الذي تلاه، لم تنخفض نسبة الأرباح رغم المخصصات الضخمة التي رصدتها المصارف المحلية لها عن 35.1 في المائة و25.8 في المائة على التوالي لعامي 2008 و2009، علما بأن مخصصات تلك الفترة للأعوام 2008 و2009 و2010 بلغت على التوالي 5.2 مليار ريال و10.9 مليار ريال و9.6 مليار ريال، ورغم كل تلك التحديات التي عصفت بآلاف المصارف خارج الحدود فأبادتها من على سطح الأرض، إلا أن مصارفنا المحلية تفوقت على تلك الأزمة، وهذا يحسب لمؤسسة النقد لا عليها، التي بفضل سياستها الحصيفة في هذا الشأن، عبرت بالقطاع المالي المحلي نحو أربعة عقود من الزمن دون أن تنشأ أزمة في هذا القطاع، وهو ما لم يحققه أكثر من ثلاثة بلدان حول العالم.

إلا أن تلك الأوضاع (المحمية) جدا للمصارف المحلية، لم يقابلها تقدم ملموس في جوانب دعم الاقتصاد الوطني، ولا تلبية احتياجاته التنموية والاجتماعية! فعلى الرغم من تمكن تلك المصارف من تحقيقها لأرباح يقدر أن يبلغ مجموعها للفترة 2005-2014 أعلى من 315.4 مليار ريال بمتوسط عائد على رأس المال يصل إلى 41.4 في المائة، إلا مساهمتها في القيمة المضافة للاقتصاد لم تتجاوز طوال تلك الفترة نسبة 5 في المائة، ولم تتجاوز نسبة تمويلها للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة سقف 1 في المائة، رغم أهمية تلك المنشآت في أي اقتصاد حول العالم.

وعلى الرغم من الترخيص لنحو 12 مصرفا أجنبيا (أحدها تم الترخيص له ولم يعمل بعد) ليصبح العدد الإجمالي للمصارف المحلية 24 مصرفا، إلا أن المصارف المحلية هي من تستأثر بحصة الأسد من السوق ومن أرباحها المتنامية، وهذا يعني استدامة ارتفاع التركز المصرفي لدينا بصورة لا يوجد مثيلها في أي اقتصاد حول العالم، ويعني ذلك انخفاض درجة المنافسة في هذا القطاع، التي أفضت ولا تزال إلى ارتفاع معدلات ربحية هذا القطاع، إضافة إلى الحماية القصوى التي يتمتع بها من قبل مؤسسة النقد العربي السعودي (البنك المركزي). صورة عامة لهذا القطاع على هذا النمط، تبين أن القطاع المالي لدينا بحاجة ماسة إلى فتح أجواء المنافسة فيه على عكس ما هو قائم اليوم، وأن استمراره على هذا النحو يعد واحدا من أكبر قنوات تفتيت المنافسة في الاقتصاد المحلي وليس فقط القطاع المالي، وإلى واحد من أخطر مغذيات زيادة تفاوت مستويات الدخل بين الأفراد، فلو بحثت فيمن يمتلك الحصة الأكبر من تلك المصارف وهم قلة، ستجد أنهم ذاتهم أكبر المودعين فيها، وهم ذاتهم أكبر المقترضين لتمويل أنشطتهم التجارية والصناعية الأخرى، وستجد أنهم هم ذاتهم أكبر ملاك الأصول المنتجة وحتى المعمرة في بقية القطاعات الاقتصادية الأخرى!

هل تعلم مؤسسة النقد أو أي من الأجهزة الحكومية بهذا الأمر؟ نعم هي تعلم! وإن أتى من يفترض بعدم علمها بكل هذه الوقائع، فلا يعتقد أنه بهذه الحجة يدافع عنها، بقدر ما أنه يتهمها بتقصيرٍ أكبر مما هو قائم من اختلالات مشار إليها أعلاه، التي لا تتعدى 10 في المائة مما هو قائم على الأرض. كما أن من ينتظر أي مبادرة من تلك المصارف التجارية أو من ملاكها بهدف تغيير ذلك الواقع غير التنافسي الذي يتمتع به أولئك الملاك القلة، فلا أقل من القول عنه إنه كمن يلهث خلف السراب، فمعالجة هذه التشوهات تبدأ فقط من الأجهزة الاقتصادية والمالية ذات العلاقة بالقطاع المالي، التي تحمل الصفة الرسمية، وعدا ذلك فلا يتعدى مجرد كونه تشتيتا متعمدا للفكرة الرئيسة للخلل الذي نواجهه منذ عدة عقود ولكن دون حلول حقيقية.

يتطلب أن تتسم الحلول المأمولة لأجل فك هذا الاحتكار والتركز المرتفع في القطاع المالي، أن يضع نصب أعين المسؤولين عنه عددا من الاعتبارات، 1 – أن فتح المنافسة من شأنه أن يفتح آفاقا أوسع وأكثر خيارات على مستوى قنوات الاستثمار المحلية. 2 – أن السماح بالمزيد من المصارف المتعددة الأغراض على مستوى مجالات التمويل، وعلى المستوى الجغرافي محليا، من شأنه أن يسهم في زيادة أعداد الفرص الوظيفية على مستوى القطاع (عدد العاملين في المصارف مجتمعة 46.2 ألف موظف حتى نهاية 2013). 3 – الأهم من ذلك أن زيادة أعداد المصارف وتنوع وظائفها ومنتجاتها، سيسهم في زيادة فرص تمويل الأنشطة الاقتصادية المتنوعة، التي بدورها ستسهم في زيادة المشروعات الإنتاجية محليا، وزيادة فرص الاستثمار، والأهم زيادة فرص توظيف العمالة الوطنية. وعلى أن قدرة المصارف الكبرى على تمويل المنشآت الصغرى والمتوسطة هي الأعلى كعبا مقارنة بالمصارف الأقل حجما؛ إلا أن زيادة المنافسة وسحب جزء لا يستهان به من السوق المحلية من تلك المصارف، سيدفعها لاحقا إلى الرضوخ والقيام بتمويل تلك الأنشطة المحجوب عنها الماء والهواء في الوقت الراهن.

طريق الحل متاح، ولا يوجد أي موانع تقف بطريقه سوى توجهات الإدارة المسؤولة عن القطاع المالي المحلي، فمتى تغيرت تلك التوجهات تغيرت الأحوال! كيف لنا أن نغيرها؟ هذا سؤال المليون، فالوقت الراهن قياسا على تمتع الاقتصاد الوطني بأعلى معدلات السيولة على مستوى دول العالم، هو الوقت الأنسب والأفضل لتحقق مثل تلك الأهداف. ولا أتمنى أن يكون ضمن العوامل الجاثمة خلف جمود تلك التوجهات لبقاء أوضاع القطاع المالي لدينا، عوامل كتضارب المصالح، أو الخوف من التغيير وعدم مواجهة تلك التحديات. كان لافتا جدا أن تأسيس أحدث مصرف محلي لدينا أتى إقراره من ولي الأمر، ولم يأت من مؤسسة النقد! وهكذا سنمضي مستقبلا نفتقر إلى المبادرات والحلول المسؤولة بديمومة تلك العقليات والتوجهات الجامدة، لا المتحفظة أو الرشيدة كما تزعم الآلة الإعلامية والعلاقات العامة التي تحيط بها. أقولها مؤكدا: هل من المزيد من المصارف مقابل الواقع الراهن القائل هل من المزيد من الأرباح للمصارف المحدودة العدد؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/25/article_898922.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.