هل انخفاض سعر النفط يدعو إلى القلق؟

بداية، لا يدعو تراجع سعر النفط في الأجل القصير بالنسبة لاقتصادنا الوطني حتى الآن إلى القلق، خاصة في ظل مراوحته حول الـ 90 دولارا أمريكيا للبرميل، خاصة أن الأسباب التي دفعته إلى التراجع، أغلبها يُعزى إلى الارتفاع السريع الذي شهده سعر صرف الدولار الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين، ومن جانب آخر لقيام بعض دول أوبك بزيادة إنتاجها من النفط، من أجل تعويض انخفاض إنتاج بعض الدول الأعضاء في المنظمة، نتيجة الاضطرابات التي تعصف باستقرارها الداخلي، دون أن تأخذ في الحسبان انخفاض الطلب العالمي على النفط نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي، ما بدوره إلى توافر فائض في السوق العالمية، ومن ثم إلى تراجع سعر النفط إلى مستوياته الراهنة (الخبير النفطي السعودي الدكتور أنور أبو العلا).

السؤال الآخر؛ ما الآثار المترتبة على تراجع سعر النفط؟ من المنطقي هنا القول إن الإجابة لتكون دقيقة، يجب أن تتحدد بمحددين، المحدد الأول: مستوى الانخفاض في سعر النفط الذي قد يصل إليه، إذ تختلف تقديرات الآثار بين أن يتراجع السعر إلى مستويات تراوح بين 80 – 90 دولارا أمريكيا للبرميل، وبين أن تتراجع لما دون مستوى 60 – 80 دولارا أمريكيا للبرميل، وسيتم التوقع هنا وفقاً للسيناريو الأول (80 – 90 دولارا أمريكيا للبرميل).

المحدد الثاني: يتعلق بالفترة الزمنية للتراجع، إذ ستكون الآثار أقسى بكثير في حالة استمرار تراجع سعر النفط لفترة طويلة (أكثر من عام)، فيما ستكون أخف حدة في الأجل القصير (عدة أشهر، أو أقل من عام)، وكلتا الفترتين ترتبط دون شك بمستوى الانخفاض في السعر، كما تمّت الإشارة إليه في المحدد الأول أعلاه. سيتم التوقع هنا بناء على السيناريو الثاني (فترة قصيرة الأجل).

استنادا إلى المحددين: (1) إن التراجع سيراوح بين 80 و90 دولارا أمريكيا للبرميل. و(2) إن فترة التراجع ستكون قصيرة الأجل (عدة أشهر، أو أقل من عام). يمكن التطرق إلى عدد كبير من الآثار المحتملة في ضوء هذا السيناريو، غير أنه سيتم التركيز على عدد مختصر جدا من تلك الآثار، كونها في رأي الكاتب قد تكون الأهم وفقاً لأولوياتها من وجهة نظر المختصين وأفراد المجتمع.

الأثر الأول في الأسعار، قد لا تتراجع أسعار الواردات إلينا من الدول المنتجة، ذلك أنه مقابل انخفاض تراجع سعر صرف عملاتها مقابل الدولار الأمريكي، إلا أنه في جانب آخر – على الرغم من تراجع أسعار النفط – يعني أيضا ارتفاع تكلفة شراء النفط على المصنعين فيها لارتفاع سعر صرف الدولار عليهم، وبالتالي يظل احتمال تراجع أسعار الواردات مستبعدا في الوقت الراهن، هذا ما لم ترتفع بالنسبة لبعض الدول المنتجة. أما على مستوى أسعار الأصول في السوق المحلية (السوق المالية، سوق العقارية)، فمن المؤكّد أنّ تحسّن قيمة الريال السعودي لارتباطه بالدولار الأمريكي المتحسّن، واحتمال تراجع الإيرادات النفطية في الميزانية الحكومية حتى نهاية العام الجاري، التي ستؤثر بدورها سلبيا في تدفقات السيولة المحلية، كل تلك المتغيرات لا شكّ أنها ستلقي بظلالها بالضغط على مستويات الأسعار طوال فترة التراجع، سواء بالنسبة للسوق المالية أو السوق العقارية.

ففي حال استمر سعر النفط في مستوياته الراهنة 90 دولارا أمريكيا للبرميل، فهذا يعني تسجيل متوسط لسعر النفط خلال 2014 يبلغ نحو 101 دولار للبرميل، أي تراجع تصل نسبته إلى 5 في المائة مقارنة بمتوسط العام الماضي، وفي ظل المستويات الراهنة للإنفاق الحكومي، المتوقع بلوغه بنهاية العام الجاري نحو 1.13 تريليون ريال، مقابل إيرادات متوقعة للعام تبلغ 1.1 تريليون ريال، يقدر أن يسفر ذلك عن عجز مالي محدود قد لا يتجاوز 18.2 مليار ريال (-0.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي)، أما في حال وصل التراجع في سعر النفط إلى مستويات قريبة من 80 دولارا للبرميل، فقد يصل العجز المالي إلى نحو 31.9 مليار ريال على أبعد الحدود (-1.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي).

وفي ضوء الضبابية التي تغطي الصورة المستقبلية للاقتصاد العالمي، وتفاقم أوجه الضعف الاقتصادي في منطقة اليورو، وانعكاس تلك التطورات المحتملة على سعر النفط، قد تلجأ المالية الحكومية إلى سياسة أكثر تحفّظا من حيث الإنفاق، وتحديداً في جانب الإنفاق على المشروعات الحكومية، التي تتحمل في الوقت الراهن ميزانيات مشروعات سابقة هائلة الحجم، تفوق فاتورتها سقف تريليوني ريال، فتجري من جانب كبحا للإنفاق الرأسمالي، ومن جانب آخر تقوم الأجهزة الحكومية المعنية بتلك المشروعات بالتركيز على إنجازها، وتعويض تأخّر بعضها الآخر.

الشاهد مما تقدم في جزئه الأخير؛ أن أسعار الأصول في كلتا سوقي المال والعقار ستتأثر بصور متفاوتة، إلا أن التأثير الأكبر قد يطرأ على مستوى الأسعار في السوق العقارية أكثر منه في السوق المالية، كون أسعار الأصول العقارية وصلت إلى مستويات متضخمة جدا مقارنة بالسوق المالية. من جانب آخر؛ تختلف كثيرا حالتا الترقب اللتان تشهدهما كل من السوق المالية والأخرى العقارية، فالأولى يغلب على ملامح مستقبلها بعض الإيجابية قياسا إلى قرب التطبيق الفعلي بدخول الاستثمار الأجنبي المباشر، مقابل ما تترقبه السوق العقارية من إجراءات تستهدف تصحيح الاختلالات الكامنة فيها، كالبدء بالعمل على تطبيق النظام الجديد لجباية الزكاة قبل نهاية العام الجاري، وترقب ما سيسفر عنه قرار المجلس الاقتصادي الأعلى بخصوص فرض الرسوم “الغرامات” على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، والمتوقع الرد به إلى هيئة كبار العلماء حسب طلبها من المجلس كجهة اختصاص، ومعلوم أن أغلب أعضاء المجلس الاقتصادي من الفريق المالي والاقتصادي الحكومي، يرى تحقق المصلحة في تأييد هذه الرسوم، كل تلك الاعتبارات تدفع إلى القول إن الفقاعة السعرية العقارية معرّضة للانفجار، وما تشهده السوق العقارية من ركود في الوقت الراهن “تردد وعدم ثقة لدى المشترين المحتملين، وأحيانا عدم قدرة على الشراء”، كلها عوامل تمهد الطريق لرؤية تصحيح في الأسعار، وفي حال مضى هذا الأثر بالتحديد إلى التحقق الفعلي، فإنه ينطبق عليه المثل القائل: رب ضارة نافعة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/06/article_893946.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.