المتقاعدون “أزمة” مفرغة من الحل

حينما صعدت مشكلة المتقاعدين إلى سطح المشكلات التنموية لدينا، وبدأ الحديث عن عدم كفاية المعاشات التقاعدية للمتقاعدين قبل أقل من 10 أعوام، كان عدد المتقاعدين آنذاك لا يتجاوز مجموعه 472 ألف متقاعد (المؤسسة العامة للتقاعد، والمؤسسة العامّة للتأمينات الاجتماعية)، ولا يتجاوز مجموع المعاشات السنوية المصروفة سقف 20.6 مليار ريال. ومع عدم إيجاد حلول فاعلة لأي من تلك المشكلات، تفاقمت رقعتها لتمتد إلى دوائر أوسع بكثير مما بدأت عليه، ليضاف إلى عدم كفاية المعاش التقاعدي، أنه أصبح لا يلبي أغلب احتياجات المتقاعدين وأسرهم، وزادت نسبة المتقاعدين الذين يعانون هذه التحديات، وأضيف إليها أن نحو نصف أولئك المتقاعدين مستأجرون لمساكنهم، عدا تفاقم نقص الرعاية الصحية اللازمة لهم ولأسرهم، واضطرارهم إلى تحمل تكاليف مادية باهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة.

ارتفع حجم التحدي اليوم من 472 ألف متقاعد بنهاية 2004 إلى أكثر من 903.3 ألف متقاعد بنهاية 2013 (أكثر من الضعف)، وارتفعت فاتورة المعاشات السنوية المصروفة من 21 مليار ريال إلى نحو 62.1 مليار ريال سنوياً (ثلاثة أضعاف). وكما أن المتقاعدين يواجهون تلك التحديات وحيدين، وتزداد عليهم الأعباء عاماً بعد عام، فإن كلا من المؤسسة العامة للتقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية تواجهان بدورهما تحديات ظلت تتصاعد وتيرتها عاما بعد عام، فمقابل صرفها لنحو 20.6 مليار ريال في 2004 (التقاعد 17.3 مليار ريال، التأمينات 3.3 مليار ريال)، كان دخلهما نحو 24.8 مليار ريال (التقاعد 16.8 مليار ريال، التأمينات 8.0 مليارات ريال)، أصبحتا اليوم تدفعان سنويا نحو 62.1 مليار ريال، وبإضافة المدفوعات لمرة واحدة الملتزمة بها التأمينات الاجتماعية، يرتفع المجموع الكلي حتى 2013 إلى نحو 64.7 مليار ريال.

بالنسبة للمؤسسة العامة للتقاعد تواجه تناقص نسبة متحصلاتها من المشتركين لإجمالي تدفقاتها الداخلة، وتعد أدنى من مصروفاتها السنوية منذ أكثر من عقد مضى، وتقوم بتعويض الفارق من دخل استثماراتها، ومع تزايد أعداد المتقاعدين خلال العقد القادم، قد تجد نفسها في وضع لا تحسد عليه، خاصة وأن التقديرات الراهنة تشير إلى احتمال ارتفاع أعداد المتقاعدين الملزمة بهم بحلول 2023 إلى 1.2 مليون متقاعد، أي ضعف العدد الراهن! أما بالنسبة للتأمينات الاجتماعية، فقد يكون وضعها في الوقت الراهن مقارنة بمؤسسة التقاعد أقل خطرا، حيث ارتفع دخلها السنوي بفضل زيادة الاشتراكات إلى 37.2 مليار ريال (مقابل مصروفات سنوية 18.4)، إلا أنه مع ارتفاع نسبة المصروفات السنوية إلى الدخل من 37 في المائة بنهاية 2004 إلى 49 في المائة، رغم أن عدد المتقاعدين لديها اليوم لا يتجاوز 287 ألف متقاعد (31.8 في المائة من إجمالي أعداد المتقاعدين)، إلا أنه سوف تتزايد عبر المستقبل أعداد المتقاعدين لديها بالتزامن مع زيادة أعداد المشتركين على رأس العمل، الذين بلغ مجموعهم بنهاية 2013 نحو 1.6 مليون مشترك، هذا من جانب. من جانب آخر، لا يوجد أي إفصاح معلن من قبل المؤسسة حول دخلها من الاستثمارات الضخمة تحت إدارتها، وهو ما سبقت مناقشته تحت قبة مجلس الشورى مطلع هذا العام، وهذا بدوره يزيد من عبء التحديات على كاهل المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية مستقبلا، وقد تجد نفسها في منظور العقد القادم في موقف أكثر سوءا مما تعاني شقيقتها المؤسسة العامة للتقاعد.

الشاهد من كل ما تقدم في خصوص تحليل المركز المالي للمؤسستين، أنهما تواجهان تحديات داخلية لا تقل عما مطلوب منها تجاه المستفيدين من خدماتهما، وهو ما يدعو إلى القول إن مطاردتهما بحثا عن حلول عاجلة وماسة للمتقاعدين، تنهي مسلسل المعاناة المعيشية التي يواجهها أغلبهم، وكما يتبين يعتبر هذا الطريق مسدودا تماما، ففاقد الشيء لا يمكن أن يعطيه كما هو معلوم، وكيف تطلب الحلول من أجهزة هي تعاني كثيرا من أوضاعها الداخلية، وهو ما يستدعي بحثا وتقصيا في كفاءة كلا المؤسستين تجاه إدارة الاستثمارات الضخمة المتوافرة لديهما التي يتجاوز مجموع أصولها لدى المؤسستين سقف 939 مليار ريال بنهاية 2013، وكيف أنهما رغم توافر نحو 1 تريليون ريال (ثلث حجم الاقتصاد الوطني) تعانيان عدم قدرتهما على الوفاء باحتياجات 903 آلاف متقاعد في الوقت الراهن، رغم الأوضاع الاقتصادية الجيدة التي تعيشها بلادنا بحمد الله، وكيف سيكون وضعهما في منظور العقد القادم حينما يتحملان عبء ضعف هذا العدد تقريبا؟!

آلية الحل تنطلق من محورين:

المحور الأول (العاجل): أن تتدخل الدولة بوضع حلول سريعة وتحمل تكلفتها في البداية، والعمل لاحقا على تأهيل المؤسستين وبقية الأجهزة الحكومية للوفاء بها، من أهم تلك الحلول الفورية: 1) رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد إلى 8000 ريال شهريا، وربطه زمنيا بمعدلات التضخم. 2) أن تعفى هذه الشريحة والورثة من جميع رسوم الخدمات الباهظة عليهم. 3) أن تمنح خصومات امتيازية مقابل ارتفاع تكاليف السلع والخدمات الأساسية. 4) أن تتكفل الدولة بالتأمين الصحي على كافّة أفرادها وعائلاتهم وورثة من مات. 5) أن تتكفل الدولة بتأمين مساكن لمن لا يمتلكون منهم، والبدء بالورثة قبل المتقاعدين على قيد الحياة.

المحور الثاني: أن تتم دراسة أوضاع المؤسستين من قبل فريق عمل يرتبط مباشرة بمقام رئيس مجلس الوزراء، وبحث أسباب قصور أداء هاتين المؤسستين، وقد يكون حلا دمجهما في مؤسسة أو هيئة واحدة، وإخضاع عملها لمزيد من الرقابة والمساءلة وإجراءات الحوكمة، والحقيقة أنه من الضرورة القصوى العمل على هذا المحور في أقرب وقت ممكن، والرفع بنتائج الدراسة والبحث في أقل من عام إلى مقام رئيس مجلس الوزراء، واتخاذ ما يراه محققا للمصلحة العامة في ضوء التوصيات التي سيتوصل إليها فريق العمل. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/08/article_894353.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.