هل غشنا تجار التراب؟

بداية، الإجابة “نعم”، وسآتيك بالتفاصيل الرقمية الموثقة للإجابة من وزارة العدل، مؤكدا أن القارئ سترتسم عليه علامات الصدمة مما سيكتشفه بعد قليل. أبدأ مما تحمله عناوين الإعلام عبر وسائله المختلفة، التي تروج إما عن جهل أو لأهداف معينة تخدم أطرافا هي المستفيد الوحيد من تلك العناوين المضللة، من أبرزها أن السوق العقارية السعودية يتجاوز حجمها تريليوني ريال، وأحيانا ترتفع التقديرات “المضللة” إلى ثلاثة تريليونات ريال، وأن نشاط السوق خاصة في مجال التطوير والتشييد يشكل أكثر من نصف حجم الاقتصاد الوطني، ومن ثم ارتفعت الأصوات “الخبيرة” بالتحذيرات من أي قرارات أو إجراءات نظامية قد تعطل هذا النشاط “الحيوي”، وأولها ألا تفرض أي رسوم أو غرامات أو حتى زكاة. بل ذهبت إلى أبعد من ذلك؛ أن طالبت بمنح أطراف السوق في القطاع الخاص وكبار الملاك مزيدا من الحرية والتمويل الكافي، ثم تختتم تحذيراتها بقولها إن الطلب القوي من أفراد المجتمع يتطلب إنشاء أكثر من 400 ألف وحدة سكنية، وأن الأسعار وفقا لهذه “الديباجة” من الأوهام والتضليل، ليس ارتفاعها واستمرارها بالصعود إلا نتيجة طبيعية لتلك الأسباب “الوجيهة”، وأنها مهما ارتفعت تظل أدنى بكثير من الأسعار المماثلة في بلدان أخرى.

لقد سقطنا جميعا ضحايا دون استثناء -بمن فيهم الكاتب وغيره من المهتمين- عقودا من الزمن في وهم تلك العناوين! وترتب على ذلك السقوط أن وقع الاقتصاد والمجتمع في فخ عميق الهوة، أعجز بل إنه شل جميع أدوات حل الأزمة الإسكانية والعقارية في بلادنا، وجعلنا بدءا من وزارة الإسكان مرورا بالأجهزة الحكومية كافة ذات العلاقة وانتهاء بأفراد المجتمع ندور في حلقة مفرغة حتى هذه الساعة.

معلوم أن غياب معلومات أي قضية مهما كبر أو صغر حجمها، سيؤدي في خاتمة جهود تشخيصها ومن ثم حلها إلى الفشل الذريع، ومهما عاودت تلك الجهود الكرة، أو حتى كثفت من أدواتها وضخ مواردها المالية، فلن تفلح ما دام أن أهم ركيزة للتشخيص والحل مفقودة (المعلومات). الآن؛ إلى كشف أقنعة تلك الأوهام بالاعتماد على ما أظهرته المؤشرات العقارية على موقع وزارة العدل، التي بدأت مشكورة بنشرها قبل أقل من ثلاثة أشهر من تاريخ اليوم، جازما بأن نشرها ومعرفتها سيضع الأمور في نصابها الحقيقي، وسيعيد الابن العاق للاقتصاد والمجتمع إلى رشده.

إليك بعض أهم الحقائق التي كشفت عنها تلك المؤشرات: (1) أن حجم السوق العقارية خلال 2013 لم يتجاوز بأكمله 419.0 مليار ريال، أي ما لا يتجاوز نسبة 15 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. (2) أن نشاط بيع منتجاته المطورة (شقق، فلل، عمائر) لم يتجاوز للعام نفسه 17.7 مليار ريال، أي ما نسبته 0.6 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وما لا يتجاوز 4.2 في المائة من قيمة صفقات السوق. (3) إذا، ماذا يعبر عنه هذا الرقم 419.0 مليار ريال، وهو رقم لا شك أنه يظل كبير القيمة؟ أن نحو 94.0 في المائة منه يختص فقط بقيم صفقات شراء وبيع الأراضي السكنية والتجارية والأراضي الزراعية! ضم في طياته صفقات لشراء وبيع تناهز الـ 307.3 ألف قطعة أرض، بإجمالي مساحات بلغت نحو 1.6 مليار متر مربع، مقابل صفقات على المنتجات المطورة (شقق، فلل، عمائر) لا يتجاوز عددها 23.2 ألف وحدة (تذكر هنا الـ 400 ألف وحدة سكنية).

(4) ماذا تعني الحقيقة السابقة؟ وماذا نتج عنها؟ لقد حملت بكل اختصار أن السوق العقارية، ليست سوى مرتع للمضاربة وتدوير الأموال والثروات، بحثا عن مكاسب سعرية عالية جدا، وعلى أن 1.6 مليار متر مربع (تبلغ مساحة ما هو للغرض السكني 365.8 مليون متر مربع فقط)، يعد رقما ضئيلا جدا مقارنة بمساحات الأراضي اللازمة لتلبية احتياجات المجتمع في منظور السنوات القليلة المقبلة، إلا أننا إذا استبعدنا عامل التدوير (شراء وبيع الأرض أكثر من مرة خلال العام)، فإننا سنكون بمواجهة مساحة أقل من ذلك بكثير، وكم سيكون وقع الصدمة كبيرا، خاصة فيما يتعلق بالأراضي السكنية إذا أزيل عامل التدوير، أن تكتشف أن مساحتها الفعلية قد لا تتجاوز الـ 100 مليون متر مربع! وما حجمها بهذا القدر مقابل ما يحتكره واحد أو اثنان من كبار ملاك الأراضي؟! وماذا يمثل وزنها النسبي في ميزان المساحات الشاسعة من الأراضي المطورة التي تحتضنها عموم محافظات ومدن بلادنا، أنتحدث هنا عن أقل من 5 في المائة من إجمالي مساحات تلك الأراضي الخالية على عروشها؟

(5) ماذا نتج عن كل هذا العبث بمقدرات البلاد والعباد؟ لقد أدى تدوير نحو 393.4 مليار ريال على تلك المساحة المحدودة من الأراضي مقارنة بالمساحات الهائلة المحتكرة، إلى وضع السوق بأكملها ومعها الاقتصاد الوطني والمجتمع فوق صفيح ساخن جدا، انتقل لهيب أسعاره المتصاعدة دون مبرر مقبول، ودون رادع مقتدر مسؤول إلى كل متر من التراب، ثم انتقل بدوره إلى المنتجات السكنية، فليس مستغربا بعدئذ أن تشكل قيمة الأرض 70 في المائة فأكثر من إجمالي قيمة المسكن، وليس مستغربا بعدئذ أن تتحول السوق بسبب ذلك التلاعب في الأسعار إلى أكبر مغذ للتضخم في الاقتصاد الوطني. ولأنه لم يصدر حتى تاريخه ما يردع هذا الخلل الخطير ويحد من تفاقمه؛ أظهرت المؤشرات العقارية لوزارة العدل، أن حجم صفقات العام الجاري منذ مطلعه حتى نهاية الشهر الماضي على الأراضي فقط، بلغ نحو 318 مليار ريال! ما يعني وفق هذا الأداء احتمال بلوغها بنهاية 2014 نحو 424 مليار ريال، أي أعلى من إجمالي قيم صفقات السوق العقارية بأكملها خلال 2013.

(6) حينما تتفاقم الأوضاع، ويقف أفراد المجتمع في الوقت الراهن (متوسط الأجر الشهري للموظف الحكومي 8090 ريالا، وموظف القطاع الخاص 4750 ريالا شهريا) تجاه آخر أثمان باهظة سجلتها المساكن، بلغت بنهاية أيلول “سبتمبر” الماضي للشقة 595 ألف ريال، وللفيلا 1.6 مليون ريال، انعكس أثره بسبب الغلاء الذي أصبح مؤكدا لدينا مصدره الرئيس مقابل ضعف الدخل الشهري للفرد، أقول انعكس على انخفاض شراء الأفراد للمساكن التي تلبي احتياجاتهم المعيشية، حيث انخفض عدد الفلل المشتراة من قبلهم خلال الأشهر التسعة الأولى من 2014 بنحو 36 في المائة إلى 2733 فيلا، مقارنة بنحو 4235 فيلا للفترة نفسها من العام الماضي، فيما لجأ بعض الأفراد وقد يكون بعضهم مجبرا لشراء الشقق، وصل عددها للفترة نفسها إلى نحو 12.2 ألف شقة، مقابل 9.7 آلاف شقة للفترة نفسها من العام الماضي. للحديث بقية مهمة، أستكمله بإذن الله تعالى في المقال القادم يوم الإثنين. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/11/article_894925.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.