كيف سنواجه مرحلة تراجع النفط؟

استبق التراجع المفاجئ لسعر النفط في الوقت الراهن التوقعات باحتمال بدء تراجعه بعد عامين من تاريخ اليوم، أي مع مشارف عام 2018، على الرغم من أن جزءا من أسباب تراجعه على الأقل في الفترة الراهنة يعزى إلى الارتفاع السريع، الذي شهده سعر صرف الدولار الأمريكي خلال الشهرين الأخيرين، ومن جانب آخر، لقيام بعض دول أوبك بزيادة إنتاجها من النفط، من أجل تعويض انخفاض إنتاج بعض الدول الأعضاء في المنظمة، نتيجة الاضطرابات، التي تعصف باستقرارها الداخلي، دون أن تأخذ في الحسبان انخفاض الطلب العالمي على النفط نتيجة ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي، ما أدى بدوره إلى توافر فائض في السوق العالمية، ومن ثم إلى تراجع سعر النفط إلى مستوياته الراهنة.

يحدث ذلك تحت مظلة من الضعف الشديد تمر به أغلب الاقتصادات، وفي الوقت الذي تعتزم فيه البنوك المركزية تشديد سياساتها النقدية المتساهلة، ما يعني احتمال ترجيح كفة استمرار ارتفاع سعر الدولار كأهم ملاذ، وزيادة في تردي أوضاع الاقتصاد العالمي، الذي ترزح حكوماته تحت ديون طائلة تتجاوز 100 تريليون دولار، عدا حالة الترقب تجاه المناطق المكسورة في جنوب منطقة اليورو وفي مقدمتها اليونان، وما قد ينتج عنه استمرار تهاوي سعر النفط بالنسبة للعديد من الدول الأعضاء في أوبك، والصعوبات الكأداء المحتمل أن تواجهها من زيادة العجز المالي والحساب الجاري، وآثاره المدمرة على سعر صرف عملاتها في الأسواق العالمية في مقدمتها فنزويلا، ما يعني زيادة نطاق المتضررين في جانب، ومن جانب آخر اتساع مصادر المخاطر على الاقتصاد العالمي، الذي يعيش مرحلة معقدة من الانفصال كما أشار إليه محمد العريان في مقاله القيم الأخير “The Inequality Trifecta ثلاثية التفاوت”.

سواء استمر ضعف سعر النفط أمْ عكس مساره وعاد إلى مستوياته السابقة، فهذا يعيدنا إلى المربع الأول من حزمة الإصلاحات التي طالما تم المطالبة بها طوال الأعوام الأخيرة، التي كان من أخطر نتائج غيابها عن محددات الإدارة الاقتصادية والمالية في بلادنا ما تم الإشارة إلى بعضها في المقال الأخير، وليكون الحديث محددا هنا؛ عانت الإدارة الاقتصادية تحديدا والتنموية بصورةٍ عامّة ثلاثة اختلالات رئيسة، ستجد أنها الرابط المشترك بين الأسباب كافّة، التي أدّت إلى وقوع الاقتصاد والمجتمع ضحية لما أُشير لأجزاء منه في أكثر من مقام، وليس فقط ما ورد في المقال الأخير، أحدد تلك الاختلالات فيما يلي: (1) غياب الرؤية الشاملة. (2) نقص المعرفة بالكيف. (3) غياب الرقابة والمحاسبة. وهو ما رأيت أهمية التطرق إليه بكيف سنواجه تلك المرحلة، عوضاً عما سنواجهه والخوض في احتمالات عديدة.

بناءً عليه، وللتعافي من “شحوم النفط” التي أصابتنا في المقتل، والاستفادة من درس هبوط سعر النفط المفاجئ، الذي كبد سوق المال السعودية خسائر رأسمالية بلغت 269 مليار ريال (12.2 في المائة من القيمة السوقية) خلال أسبوع عمل واحد! عدا ما سيأتي من انعكاسات تالية على الميزانية العامة والأداء الاقتصادي بصورة عامة، لا شك أنها ستكون أشد وطأة مما قد يتصوره البعض، التي يكفي القول في خصوصها أن مهام ومسؤوليات التنمية المستدامة تضاعفت أوزانها كثيرا، بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل عقد من الزمن وأكثر. يزيد من صداعها المزمن؛ أن ما تم على مستوى تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتقوية مستوى دخل الفرد من خلال توفير فرص العمل الكريمة والملائمة، وغيرها من الأهداف التنموية المدونة في ثنايا خطط التنمية، سيكون المحك الرئيس لاختبار حقيقة منجزها، هو المشهد الراهن لتراجع سعر النفط، الذي أحدث ما أحدثه من أضرار بمجرد حدوثه، فما بالنا إن استدام لأكثر من عامين قادمين؟!

أؤكد ما سبق النصح بالعمل به قبل أكثر من عام مضى، وهي ذات النصيحة التي مضى على الكاتب عقد من الزمن أو أكثر وهو يكررها مرارا وتكرارا، ولعل الدرس الأخير لتراجع النفط يكون بمثابة “جرس الإنذار” للتفكير على أقل تقدير ما يدون هنا، إضافة إلى ما تفضل به الكثير من المختصين والمهتمين في الشأن الاقتصادي والمالي.

أبلورها في ثلاثة محاور رئيسة كالتالي: (1) تأسيس وتصميم رؤية شاملة للبلاد والمجتمع، تكون بمثابة “دليل الطريق الذي سنسير عليه نحو المستقبل”. يتم الحراك المؤسساتي وللأفراد وكل جزء من الوطن تحت مظلة هذه الرؤية، فلا يقبل من أي طرف كان أن يخرج عنها، أو يتخذ أي اتجاه يتعارض مع محدداتها. وعليه، تتولى كل المؤسسات الحكومية والأهلية والمفكرون رسم تلك الرؤية الشاملة، ويتم إقرارها من ولي الأمر، ويلزم الجميع بها وعدم مخالفتها لأي سبب كان. من أهم أمثلة ما يجب ترسيخه ضمن مبادئ تلك الرؤية “الاهتمام بالإنسان السعودي، وبذل أقصى الجهود والإمكانات المتوافرة، لأجل تحقيق أعلى مؤشرات رفاهيته، والارتقاء برعايته الصحية والتعليمية والبيئية، وتوفير فرص العيش والعمل الكريمة، وضمان مشاركته في تنمية وإنماء مقدرات وطنه”، إنه مبدأ عام يفترض التوسع في تفسيره ضمن مخطوطة الرؤية الشاملة، والأهم من كل ذلك ألا يخرج كائناً من كان عنه، أخذا بعين الاعتبار بقية المبادئ كضمان حماية موارد الدولة والبلاد من العبث والفساد وسوء الإدارة والاستغلال، وحماية كيان الأسرة السعودية من أية تهديدات مادية أو أمنية أو اجتماعية، والعمل على رفع مساهمة الشباب في صنع القرار والإدارة في المجتمع السعودي، إلى آخر مثل تلك المبادئ التي أصبح متعارفا العمل بها في كل الدول المنجزة، التي نجحت في التقدم بخطوات غير مسبوقة، وأمثلتها إقليميا ودوليا حاضرة ولا تتطلب التذكير..

(2) المعرفة التامة بالكيفية اللازمة لتحقيق مبادئ وأهداف الرؤية الشاملة! بمعنى أن الأهداف هنا واضحة ومعلنة، ليس على الأطراف ذات العلاقة سوى تحقيقها، مؤكدا أن العبرة هنا “بكيفية” تحقيق هذا الوزير أو المسؤول لما أصبح معلوما ومحددا كمهام ومسؤوليات وأهداف، بالتركيز على “كيف” و”متى”، وفق آلية واضحة لا غموض يعتريها، التي بناء عليها سيتم تقييم كفاءة أي مسؤول كان، إن نجح فيها استمر في منصبه، وإن فشل فلا أمان على مقدرات البلاد والعباد من إقالته فورا من منصبه. هذا يقودنا للمطالبة بوضع ذلك المحدد “الكيفية المعرفية” ضمن اشتراطات ومتطلبات تعيين أي مسؤول في أي منصب، ويمكن معرفة إمكانات المرشحين من خلال امتحانات ومقابلات خاصة، يتم عقدها لأجل هذا الهدف.

(3) فرض الرقابة والمحاسبة والمسائلة، والعمل بمبدأ الثواب والعقاب على كل النشاطات والمهام المنوطة بأي مسؤول، عبر قياس ما أُنجز مع ما كان مخططا أو مستهدفا على مستوى التكلفة والوقت المستهلك ومعايير الجودة الأخرى.

إن الوقت المتاح أقصر مما قد نتخيل، وها قد مضى عهد النفط الثمين سريعا كما مضى سابقه قبل ثلاثة عقود، فهلا أدركنا ما يمكن إدراكه قدر المستطاع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/20/article_897578.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.