النفط ليس المفتاح الوحيد للمستقبل

في البداية أشير إلى أن هذا المقال مقدمة لحديث طويل ذي شجون متعددة، حول التطورات الأخيرة التي يشهدها النفط، وآثاره على الشأن الداخلي كسوق المال والتضخم والأسواق المحلية والعقارات. كلما ظن العالم أن غدا قريب جدا من السيطرة عليه، أشرقت عليه شمس اليوم الآخر ليجد نفسه مسيطرا عليه من قبل مفاجآت لم تلفت انتباهه بالأمس! يراجع إحصاءاته الضخمة؛ فيجدها كانت مدونة تحت ناظريه، لكنها لم تستقطب اهتمامه “المتحيز” إما إلى التفاؤل المفرط أو إلى نقيضه المكفهر، يبتلع جرعة الدرس ككل المرات السابقة، ثم يمضي قدما كأن لم يكن شيئا تعلمه من تلك الجرعة، فيبلغ به الطموح إلى توقع آلاف الأيام القادمة، دع عنك فشله في توقع غده!

تقبع دول العالم اليوم تحت ديون طائلة على حكوماته تفوق 100 تريليون دولار أمريكي، يتحمل الجزء المتقدم الذي يشكل أكثر من نصف إجمالي الناتج العالمي من ذلك الدين أكثر من 70 في المائة فاتورته، ويبقى نحو عشرة على حكومات الدول الصاعدة، التي نجحت في زيادة مساهمتها في الناتج العالمي إلى أربعة أعشاره خلال أقل من عقدين من الزمن، وبفضل هذا النمو الاقتصادي، وتحقق فوائض لأغلب بلدان الدول الصاعدة إما لقوة أدائها الاقتصادي، أو بفضل ارتفاع أسعار المواد الخام المصدرة إلى العالم المنتج، مولت تلك الدول العجز المالي للعالم المتقدم وخاصة الولايات المتحدة، ما زاد من ترابط دول العالم من جهة، ومن جهة أخرى زاد وشائج العدوى المالية والاقتصادية بين دول العالم، حتى لو عطس بنك تجاري في أي شارع من نيويورك، وجدت فيروساته تخترق رئات البقية في أصقاع الأرض المختلفة.

ظل العالم بأسره من منتصف أيلول “سبتمبر” 2008 يترنح جراء صفعة الأزمة العالمية، بين حمى طاغية ترى طقوس جنونها على شاشات الأسواق المالية، وبين حالات أخرى تتوهم على ذات الشاشات العافية وهي منها براء! لعبت البنوك المركزية الدور الأبرز في تخدير الأوجاع الخفية للعالم، عبر ضخها غير المسبوق في تاريخ الاقتصاد العالمي بأكثر من 12 تريليون دولار أمريكي في الأسواق، فداوت من وريد احتياجات السيولة، لكنها تشعبت عبر شرايين أخرى خارج السيطرة إلى مناطق أخرى لم تكن مستهدفة بها، فحلقت أسواق المال والسلع والمواد الخام صعودا لكنها لم تستطع الصعود بجسد الاقتصاد العالمي الموغل فيه المرض والإنهاك والعلل، فما حدث لم يتعد زيادة الفوائض لدى الدول الصاعدة، ومنها دول الخليج، في المقابل ضخت في سندات وأذونات الدين لدول العالم المتقدم، كما أشرت إليه أعلاه.

هل بالإمكان الاستمرار على هذا النحو الواهم؟ بالطبع لا. كان لا بد أن يأتي اليوم الذي تبدأ فيه مضخات السيولة “البنوك المركزية” بإلجام قنوات ضخها للسيولة، وأن عليها إضافة إلى تحمل انعكاسات تخفيف ضخ السيولة، أن تتحمل أيضا ضريبة إرجاء “تسوية” خصومات كان لا بد من أن يتحملها الاقتصاد العالمي جراء اشتعال فتيل الأزمة العالمية، ومن كان يظن أن أزمة هائلة كتلك الأزمة التاريخية سبقها انحرافات جسيمة جدا وقعت في الشطر الأثقل وزنا ممثلا في الولايات المتحدة، أن “الهراء المخدر” للبنوك المركزية كان بإمكان مسكناته جلب العافية من داء تلك الانحرافات، فليس عليه لكي يقتنع بوهمه إلا أن يراقب ما يجري وسيجري في عمق الاقتصاد العالمي في المنظور القريب.

حينما تعود البنوك المركزية وقبلها صندوق النقد الدولي إلى خفض توقعات النمو من وقت لآخر، فهذا يعني أنه يقترب شيئا فشيئا من قمة جبل الجليد التي لا بد أن يصطدم بها، وأن حدة الضباب التي حدت كثيرا من وضوح الرؤية، قد بدأت تتلاشى. الأمر هنا؛ لا علاقة له بجانب التفاؤل أو التشاؤم، فكل تغيير تجري فصوله على الأرض، ستجده يحمل الضد وضد الضد، تختلف نسب الإيجابيات والسلبيات حسب العوامل الدافعة.

أعتذر لهذه المقدمة التي أرجو أن تكون بعثت في القارئ الملل، إلا أنه كان لا بد منها في ضوء ما يجري من تطورات راهنة على مستوى تراجع أسعار النفط، وإسقاطاتها المشاهدة على الأسواق العالمية ومنها سوقنا المالية، التي دخلت فترة من التذبذبات الحادة أعادت المتعاملين إلى حالة الذهول والصدمة ذاتها التي شهدتها في نهاية 2008، خاصة وأن التراجعات تكاد تكون الأكبر نسبيا في ضوء السنوات الأخيرة. قد يكون علينا التكيف مع فترة قادمة قد تمتد من أقل من عام إلى العام والنصف، وفقا لأغلب التقديرات الصادرة عن أكثر من هيئة ومنظمة دولية، وكما سبق أن أشرت أعلاه أنه لا ولن يوجد من يمكن الجزم بحدوث توقعاته مهما بلغت قدرته على التنبؤ، ولكن لا بد من بعض الاسترشاد بأكبر قدر ممكن من المؤشرات المتوافرة بأيدينا في الوقت الراهن، وأخذ الحيطة والحذر تجاهها من الساعة.

قد يكون النفط هو عنوان الساعة اليوم، ولكن علينا ألا نتجاهل معطيات أخرى لها القدر نفسه من الأهمية إن لم تكن أكبر، وأحيانا تعد أكبر حتى من النفط، فتجد الأخير عاملا تابعا لعامل مؤثر؛ كوتيرة النمو في النشاط الاقتصادي في الصين على سبيل المثال، التي تترك زيادتها أثرا إيجابيا ليس فحسب على النفط، بل أيضا حتى عدد كبير من المتغيرات في الاقتصاد العالمي، عدا بدائل الطاقة المستأثرة بالاهتمام الدولي في الوقت الراهن.

الأمر الآخر؛ حتى وإن ترك تراجع سعر النفط آثارا سلبية على كل من الميزانية العامة والاقتصاد الوطني، فهو أيضا يحمل جانبا من الإيجابية بالنسبة لنا، خاصة في الأجل القصير، ذلك أنه في حال ديمومته لأكثر من تلك الفترة، وقياسا على الهيكل الاقتصادي المعتمد بدرجة أكبر على دخل النفط، فقد يترك آثارا بالفعل ستكون بالغة السوء، التي طالما تم التنبيه إليها طوال الأعوام العشرة الأخيرة، وضرورة الاستفادة القصوى في الوقت الراهن من ارتفاع سعر النفط، والعمل بخطى أسرع على مسار تنويع القاعدة الإنتاجية المحلية، إلا أن الأصوات في هذا الخصوص ذهبت بكل أسف أدراج الرياح، وما حالة الاضطراب الشديد التي تشهدها السوق المالية في الوقت الراهن، إلا أحد الشواهد على عدم عمق قاعدة الإنتاج المحلية وتنوعها بالقدر الكافي والمأمول. أحاول في عدة مقالات تلي هذا المقال، وأعدها جزءا منه، رسم تصور شامل لما قد يطرأ على اقتصادنا الوطني من تغيرات ليس فقط بسبب التراجع المحتمل لسعر النفط، بل للعديد من المتغيرات التي يترقبها حتى غيرنا على سطح البسيطة، فإلى الملتقى قريبا. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/10/15/article_896077.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.