ماذا لو لم تفرض غرامات الأراضي؟

انحصر الحديث طوال الفترة الماضية حول أهمية فرض كل من “الزكاة” على الأراضي الخام والمطورة والمعدة للبيع والعقارات المطورة، و”الغرامات” على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، وامتد الحديث إلى الآثار المحتملة حال إقرارهما معا، ودون مفاضلة لأي سبب كان بين تطبيق إحداهما دون الأخرى. وتوصلت التوقعات إلى أنه سيصحح كثيرا من الأوضاع المختلة لسوقي العقار والإسكان، بدرجة تعيد الأرض “التراب” إلى الطريق القويم الذي يسخره لخدمة الاقتصاد والإنسان، على عكس الوضع الراهن؛ الذي أثبت أن الاحتكار والمتاجرة بالتراب تسببا في امتصاص خيرات البلاد والعباد، وانحرافه من كونه أصلا للإنتاج والتنمية إلى مجرد فوهة سوداء تبتلع الأموال والمدخرات، زاد من سوئه أن قاع تلك الفوهة يستقر في الحسابات البنكية لمحتكرين قلة على حساب الملايين من أفراد المجتمع.

وفقا لأحدث تصريحات مسؤولي مصلحة الزكاة والدخل الأسبوع الماضي؛ يوشك إقرار النظام الجديد لجباية الزكاة قريبا، وقد يبدأ العمل به قبل نهاية العام المالي الجاري، ومن ثم فلا توجد أية شكوك أو خوف حول مصيره، وأنها مسألة زمن قصير ويصبح موضع التنفيذ.

يبقى السؤال الأهم المتعلق بمصير لائحة الغرامات على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، التي سينظر فيها بدءا من الغد من قبل هيئة كبار العلماء في دورتها الثمانين! ماذا لو لم تؤيد الهيئة هذه اللائحة؟ كاحتمال قائم يمكن حدوثه! يجب التفكير في عواقبه المحتملة منذ اللحظة، على الرغم من بعض التصريحات الأخيرة لأعضاء الهيئة بعدم وجود موانع شرعية لهذه اللائحة، وأنها في المقام الأول قرار سيادي مشروع لولي الأمر، كان آخر تلك التصريحات وأهمها تصريح سماحة المفتي العام للبلاد ورئيس هيئة كبار العلماء بقوله: “إن شاء الله يسمع الناس من هذه الهيئة ما يسرهم في أمر دينهم ودنياهم”. رغم كل هذه المقدمات الإيجابية، إلا أنها بالضرورة بمكان لا تمنع التفكير في احتمال أن تأتي الأمور على عكس التوقعات.

حتى ما قبل البدء في تطبيق نظام جباية الزكاة الجديد، وما قبل تأييده أو عدمه على لائحة غرامات الأراضي السكنية؛ لا أحد بيننا لديه ذرة شك في أننا نواجه أحد أكبر الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، إن لم تكن الأكبر والأخطر ممثلة في أزمة الإسكان! وأن الأسباب التي افتعلت تلك الأزمة، ووقفت وراءها كأهم مغذ لوجودها، أصبحت واضحة للجميع، وأن الحلول اللازمة للحد منها والقضاء عليها، تحددت أيضا بصورة أكثر جلاء. يكفي القول هنا، إن مجرد الترقب والحديث عن تلك الحلول، وارتفاع سقف تطلعات أفراد المجتمع تجاه البدء في تطبيقها؛ كيف أنه حد من وتيرة ارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة، وكيف أنه أصاب نشاط زمر المحتكرين للتراب والمضاربين به بالذعر، وأخضعهم لركود لم يعهدوه من قبل! فما بالك إن تم إقرار لائحة الغرامات وبدأ العمل بها؟ من هذه النقطة تحديدا؛ يمكنك التنبؤ بما قد يحدث إن لم يتم تأييد لائحة الغرامات! أبدأ بسرد أهمه في ثلاثة محاور مختصرة:

أولا: قياسا على منح الضوء الأخضر للمحتكرين والمضاربين والسماسرة وكل منتفع من تلك التشوهات، ستعود وتيرة أسعار التراب للارتفاع القوي جدا في الأجل القصير، تعويضا لفترة الركود التي مرت بها السوق طوال العامين الماضيين، يتوقع تراوح نسب ارتفاعها بين 30 و50 في المائة، وهي نسب مقاربة أو أعلى من معدلات نمو السيولة المحلية، التي اعتادت الأسعار تحقيقها طوال السنوات الأخيرة، حيث نمت السيولة عن العامين الماضيين بأكثر من 30 في المائة، لتستقر عند نحو 1.7 تريليون ريال بنهاية تموز (يوليو) الماضي. كما سيستمر ارتفاع الأسعار في الأجلين المتوسط والطويل شرط استمرار أسعار النفط في مستوياتها الراهنة، وستستقطب مزيدا من السيولة الباحثة عن تحقيق معدلات ربحية عالية، ما يشير إلى ذهابنا إلى مناطق سعرية عالية جدا، ستلحق آثارا بالغة التدمير بدخل الأفراد والاستقرار الاقتصادي، بصورة تفوق كل ما سبق بدرجات كبيرة، ولا يعلم كيف ستتم مواجهة آثارها التضخمية المدمرة حينئذ، وقد لا تجدي معها أية حلول متأخرة لمواجهتها، بما فيها حتى فرض الغرامات على الأراضي بعد فوات الأوان!

ثانيا: إن وزارة الإسكان ومشروعاتها وبرامجها ستواجه تحديات أكبر من ذي قبل، وستصبح نتائج أغلب ما ستقوم به أقرب إلى التعثر والفشل الذريع، وحتى مواردها لتمويل مشروعات الإسكان البالغة 250 مليار ريال، عدا الدعم السنوي السخي لصندوق التنمية العقارية، جميعها قد تذهب سدى ودون جدوى تذكر على المستفيدين منها أمام مستويات الأسعار العالية جدا، التي ستكون أعلى بكثير من قدرة الأفراد سواء من حيث الدخل، أو حتى مع إضافة حزم التمويل الإضافية من قبل صندوق التنمية العقارية زائدا التمويل الإضافي من البنوك المحلية! ستكون وزارة الإسكان باختصار شديد في مواجهة غير متكافئة على الإطلاق أمام أعنف تحد تنموي، وما يؤكد احتمال فشل جهودها أكثر من غيره من الاحتمالات، أنها ستكون دون “مخالب” ممثلة في الغرامات على الأراضي السكنية، وبناء عليه سيكون من غير العدل وغير المقبول أن تلام لاحقا إن فشلت الوزارة في تحقيق أهداف إنشائها! ولن تجدي أي تغييرات قد تجرى على قياداتها في ضوء تلك الوقائع.

ثالثا: سيترتب على موجة الارتفاعات القياسية في أسعار الأراضي، موجة أخرى من الارتفاع المستمر في إيجارات المساكن والمحال، ما سيؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم محليا، ويزيد كثيرا من أعباء تكلفة المعيشة على أفراد المجتمع، ولن يجدي معها حتى رفع مستويات الرواتب والبدلات الأخرى. كما سينحسر نشاط شركات التطوير العقاري نظير ارتفاع تكلفة الأراضي عليها من جهة، ومن جهة أخرى ضعف مصادر تمويلها، ما سيفاقم مستقبلا من عجز الوحدات السكنية، الذي بدوره سيكون مغذيا لارتفاع تكلفة تملكها أو تأجيرها، وهذا يعني باختصار عنوانا جديدا لأزمة إسكان أكبر في البلاد، لا يعلم أحد منا قياسا على تصوراتنا الراهنة اليوم للأزمة، إلى أي مدى يمكن أن تصل الآثار الكارثية للأزمة في كاهل الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء.

لا أحد على الإطلاق يتمنى أو يريد أن يحدث أي من تلك التوقعات، ولكنها النتائج المحتملة الأقرب للحدوث حال لم يتم تأييد لائحة الغرامات على الأراضي السكنية، وهو ما يؤمل أن يدركه جيدا الأعضاء الموقرون في هيئة كبار العلماء، وأن ما تم تدوينه في هذا الخصوص من قبل الكاتب وغيره من المختصين، بمثابة الأمانة في النصيحة والكلمة الصادقة التي نحمّلها إياهم، لاتخاذ ما فيه إنقاذ للبلاد والعباد من كوارث اجتماعية واقتصادية لن تحمد عقباها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية:

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.