لماذا الزكاة؟ ولماذا رسوم “غرامات” الأراضي؟ وما أثرهما؟

إنها أسئلة الساعة في المرحلة الراهنة، أحاول هنا باختصار شديد إيضاح الإجابات الشافية عليها، وكي يقطع الطريق تماما على كل من: 1) المعارض لفرض الزكاة، وجعل الأراضي الخام والمطورة والمعدة للبيع والعقارات المطورة ضمن أوعية الزكاة، التي تخضع لمصلحة الزكاة والدخل. 2) المعارض لفرض رسوم “غرامات” على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني للمدن والمحافظات، سيشرف على تحصيل إيراداتها وزارة الإسكان.

علما بأنه سيتم الاعتماد أثناء تحصيل كل من إيرادات الزكاة وإيرادات الرسوم “الغرامات”، على قاعدة بيانات جميع تلك الأصول العقارية، المعدة من قبل كل من وزارتي العدل والشؤون البلدية والقروية، بما تتضمنه من أسماء للملاك والمتاجرين والمساحات والمواقع وأسعارها السوقية الآنية، والتوثيق والتحديث المستمر لأية تغيرات تطرأ على أي من بيانات تلك المتغيرات. ما يعني أن فرص التملص أو التلاعب أو التهرب من دفع أي من الأموال المستحقة الدفع، سيكون مصيره الفشل الحتمي، وسيعرض مرتكبه للعقوبات المنصوص عليها في كل من نظام جباية الزكاة ولائحة الغرامات على الأراضي.

أولا: لماذا الزكاة على الأراضي الخام والمطورة والمعدة للبيع والعقارات المطورة؟ بداية يعد تحصيل الزكاة من أولى مهام ومسؤوليات الدولة، وإن ترك تحصيلها ودفعها للمستحقين لها في أوقات سابقة، ليتحمل مسؤولية دفعها كل مكلف بها، إلا أنه لا يسقطها من مسؤوليات الدولة، وهو ما جرى تصحيحه في الوقت الراهن. وبغض النظر عما إذا كانت تدفع أو لا تدفع في وقت سابق، إلا أن المرحلة الراهنة وما يعترضها من مخاطر سياسية عموما، وأمنية على وجه الخصوص، فيما يتعلق بالجهات التي تدفع إليها أموال الزكاة، وضرورة التحوط والحذر من تدفقها إلى جهات إرهابية أو خارجة عن النظام، يعتبر سببا كافيا وحده بغض النظر عن بقية الأسباب، لأن تتخذ الدولة هذا التوجه الجاد والحازم.

يمكن القول بموجب العمل بالنظام الجديد لجباية الزكاة، أنه: 1) سيكفل تحصيلا كاملا للزكاة المستحقة، ومنها المستحق على الأراضي الخام والمطورة والمعدة للبيع والعقارات المطورة. 2) وبخصوص موضوعنا هنا؛ سيكفل تحصيلا كاملا لها، حيث ستخضع الأراضي المعدة للبيع لجباية زكاتها بشرط إقرار مالكها أو عرضها للمساهمة بموجب قرائن ظاهرة، أو أن تكون مساحتها زائدة بصورة ظاهرة على حاجة المكلف الخاصة وأسرته بحسب العادة الغالبة، وهو ما سيلغي أية اجتهادات شخصية سواء دفعت الزكاة أم لم تدفع خلال السنوات الماضية.

الأهم هنا؛ أن الزكاة بصفتها أحد الأركان الخمسة للإسلام، وقد أوضحت الشريعة المقاصد الواسعة جدا من فرضها، ما يعني أنه ليس مقبولا في سياق الحديث الراهن عن الأزمة الإسكانية واحتكار الأراضي، أن يقول قائلٌ إن مجرد فرض الزكاة عوضا عن الغرامات على الأراضي المحتكرة، سيؤدي ذلك إلى حل الأزمة وتخفيض الأسعار المتضخمة، وكأنه يحمل مقاصد الزكاة ما لا تحتمل، وهو ما لم يقله أو يفعله أحدٌ من قبل. والسؤال: على افتراض أن أغلب المكلفين من ملاك تلك الأراضي الشاسعة قاموا بدفع الزكاة المستحقة عليهم؛ فلماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه من أزمة هي الأكبر في تاريخ الاقتصاد والمجتمع؟ هل يعني ذلك أن محاولة البعض حصر الزكاة في هذا الهدف، أن الزكاة لم تحقق الغاية من القيام بها؟ أم أنه يعني أن المكلفين في الحقيقة لم يخرجوا ريالا من المستحق عليهم كزكاة طوال الأعوام الماضية؟ إن الإجابة على كلا السؤالين سواء بالإيجاب أو النفي تحمل في ثناياها جرما عظيما، لا أحد يستطيع تحمل مسؤوليته.

ثانيا: لماذا الرسوم “الغرامات” على الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني؟ بعيدا عن الأسباب الواهية التي يزعمها “تجار التراب” كعوامل أفضت لتورط البلاد والعباد في الأزمة الراهنة، منها على سبيل المثال لا الحصر: خلل آلية توزيع الأراضي، قصور أنظمة وزارة الشؤون البلدية والقروية، تعقيد شروط توصيل خدمات الكهرباء والماء والإنارة والأرصفة ومرافق السيول والصرف الصحي، وتحميل تكلفتها على الملاك، عدا نزع الشوارع والمرافق وتوصيل الخدمات، وغيرها من الأسباب التي يكشف زيفها، مقارنتها بالحقائق القائمة على أرض الواقع، وأنها ليست سوى شماعة مفلسة لتبرير الأسعار المبالغ فيها، ويكفي القول إن كل من يتذرع بتلك الأسباب، حينما أوجه إليه سؤالا: هل لو تكفلت الدولة بحل تلك الأسباب، وتحملت تكلفة حلها، هل ستتراجع الأسعار؟ فيأتيك الرد الفاضح: لا، لن تنخفض! بل سيزيد ارتفاعها “أترك التعليق للقارئ الكريم”.

تستند الفكرة الرئيسة لفرض رسوم “غرامات” الأراضي السكنية الواقعة داخل النطاق العمراني، على تغريم كبار محتكري تلك الأراضي لامتناعهم عن استصلاحها وتطويرها، وتسخيرها في الغاية التي لأجله قامت الدولة بتوفير البنى التحتية اللازمة لها بميزانيات هائلة. أدى التصرف المخالف لأولئك الملاك إلى ارتفاع أسعار الأراضي بوتيرة مجنونة، تسببت بإغراء بقية متوسطي وصغار الملاك، لتتحول تلك الأراضي المخصصة في الأصل للانتفاع والسكن، إلى مجالات رحبة للمضاربة والمتاجرة، والبحث عن تحقيق أرباح هائلة من تدويرها بيعا وشراء، ما ألهب الأسعار إلى مستويات لا يمكن القبول بها، ولتتربع كجاثوم بالغ الأذى على كاهل الاقتصاد والمجتمع على حد سواء.

تأتي الرسوم “الغرامات” لتردع استمرار هذا النهج الخطير جدا، وإعادته للمسارات المساندة لأغراض الاقتصاد الوطني، وتعزز من أسباب استقراره، ويلبي في الوقت ذاته احتياجات أفراد المجتمع. لعل أهم هدفين أو نتيجتين لها: 1) أن احتكار الأرض الذي كان لا يتحمل أية تكلفة، سيصبح مكلفا للغاية على كبار المحتكرين، وسيصعب عليهم الاحتفاظ بها فترة أطول من عام كامل، لارتفاع تكلفة توفيره السيولة اللازمة لدفع مستحقات الغرامات، ما سيضطرهم إلى بيع تلك الأراضي، أو لتطويرها، ليحررها من الاحتكار، وبزيادة المعروض من الأراضي للبيع، ستتراجع الأسعار “المقدر تراجع الأسعار حال الإعلان عن بدء العمل بالغرامات بين 30 إلى 50 في المائة”، وسينتقل تأثيره إلى بقية مساحات الأراضي الأصغر لدى بقية صغار الملاك. بهذا؛ لن يشتري الأرض إلا مستثمر أو باحث عن سكن، ينويان الانتفاع منها سريعا، وكلاهما سيكون عامل تدني التكلفة هو اعتباره الأول، ما ينقض تماما وهو القائل إن الغرامات سيتحملها المشتري الأخير، فلن يتحملها إلا المتورط في احتكار الأرض وتعطيلها!

الهدف الآخر، أن الغرامات ستؤدي إلى إلغاء المضاربات وعمليات التدوير الراهنة، التي أشعلت وتيرة الأسعار ارتفاعا دون مبررات اقتصادية حقيقية، وسيصبح الطلب حقيقيا بهدف الانتفاع من الأرض إما بتطويرها بالنسبة للمستثمر، أو بناء مسكن بالنسبة للأفراد. وكلا الهدفين أو النتيجتين، سيؤديان حتما إلى تراجع الأسعار، وبقائها في الأجل الطويل ضمن مستويات متدنية، يحكمها فعليا قوى العرض والطلب الحقيقيين. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/09/10/article_885194.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.