من يصدر المؤشر العام لأسعار العقار؟

كما سبق طرحه في أكثر من مقال سابق؛ أن واحدا من ثلاثة عوامل تتسبب في تشكل الفقاعة السعرية في أي سوق كانت، هو عدم تماثل معلومات السوق لدى أطرافه كافّة، إضافة إلى العاملين الآخرين: زيادة تدفق رؤوس الأموال الباحثة عن فرص مجدية للاستثمار والمتاجرة، والزيادة المفرطة في خلق الائتمان المحلي. وأن معالجة مثل تلك الأزمات، يبدأ من السيطرة والتحكم في تلك العوامل المؤدية إلى تفاقم أي من تلك الفقاعات السعرية، سواء في سوق المال أو السوق العقارية.

بادرت وزارة العدل مشكورة بإصدار المؤشرات العقارية “شهرية، ربع سنوية، سنوية” لجميع أحياء ومدن المملكة ومناطقها الرئيسة، لتوفر للسوق والاقتصاد الوطني ثروة من المعلومات والإحصاءات، التي طالما عانى المراقبون والمتخصصون من غيابها، عدا المعاناة الأكبر التي كابدها المواطنون جراء الغياب التام لأية معلومات توفر لهم أهم ركائز اتخاذ قرارات الشراء والبيع.

وبالنظر إلى الثروة المعلوماتية التي تشكر كثيراً وزارة العدل على توفيرها، والتي تغطي بصورة شهرية فترة زمنية تمتد من عام 1430هـ إلى الفترة الراهنة لأحياء ومدن المملكة كافة، يمكن القول إن العامل الأول الذي أسهم في تشكّل الفقاعة السعرية لدينا في السوق العقارية، ويتدخل أيضا في التأثير حتى على العاملين الآخرين “زيادة تدفق الأموال، زيادة الائتمان المحلي”، أؤكد أنه في طريقه إلى الزوال، غير أنه بحاجة أكبر وأهم إلى نشره ومعالجته بصورة منتظمة على هيئة مؤشرات أكثر وضوحا ودلالة، تساعد على معرفة اتجاهات الأسعار في السوق العقارية المحلية، بحيث يمكن استنباط مؤشرات لا حصر لها من خلال ما توفّره وزارة العدل من بيانات ومعلوماتٍ حقيقية من داخل السوق، كأن يصبح لدينا مؤشر عقاري لكل مدينة من مدن المملكة، تقوم آلية احتسابه على قياس التغيرات السعرية حسب العقار “قطعة أرض، عمارة، فيلا، شقة، معرض/محل، بيت، مرفق، أرض زراعية”، ومن ثم يتوافر لدينا على سبيل المثال: المؤشر العقاري للأراضي في مدينة الرياض، المؤشر العقاري للفلل في مدينة الرياض، وهكذا لبقية أنواع العقارات ولجميع مدن المملكة. ويمكن أيضا استنباط مؤشرات لنفس الأنواع على مستوى مدن المملكة كافّة، كأن يصبح لدينا المؤشر العقاري للأراضي في المملكة، والمؤشر العقاري للشقق أو الفلل في المملكة، وغيره الكثير من المؤشرات العقارية الممكن توفيرها بكل يسرٍ وسهولة للمواطنين والمراقبين والمختصين.

مَنْ المفترض أن يتولّى تلك المهمة؟ هناك جهتان حكوميتان يفترض بهما أن تقوما بتولي هذه المهمة، الأولى: مصلحة الإحصاءات العامّة والمعلومات، بصفتها الجهاز الحكومي الوحيد المسؤول عن رصد وجمع ونشر كافّة الإحصاءات، ومن ضمنها بيانات السوق العقارية، عدا أهمية تلك المؤشرات بالنسبة لها في سياق احتسابها لمعدلات التضخم في البلاد. الثانية: مؤسسة النقد العربي السعودي، بصفتها الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة السياسة النقدية للمحافظة على استقرار الأسعار وأسعار الصرف، وضرورة أنْ تضيف المؤشرات العقارية المشار إليها أعلاه إلى مواضيع النشرات والتقارير “الشهرية، الربع سنوية، السنوية”، التي تنتظم في إصدارها بصورةٍ دورية.

إن قيام الجهازين الحكوميين أعلاه بنشر تلك المؤشرات المطلوبة، والمعالجة بالطريقة التي ترفع بصورة كبيرة جداً من درجة فائدة ما قامت به وزارة العدل من توفيرٍ للبيانات الخام للسوق العقارية، سيؤدي إلى سد الغياب المعلوماتي الراهن حول ما يجري من تطورات وتغيراتٍ في السوق، ما سيضعها في الإطار المعلوماتي الصحيح أمام الجميع، الذي تُبنى عليه التقييمات الحقيقية لا المزيفة لأوضاعها. على سبيل المثال: هل يعلم ماذا طرأ على مستويات أسعار الأراضي في أيّ من مدن المملكة أو مناطقها الرئيسة؟ أو الفلل؟ أو الشقق؟ لتتعرّف على إجابة هذا السؤال، سيكون عليك بذل جهد كبير بالرجوع إلى موقع وزارة العدل، والتعامل مع البيانات الخام غير المعالجة بطريقة علمية وإحصائية دقيقة، ومن ثم عليك القيام بجهود شخصية أكبر لاستنباط تلك المؤشرات، سواء على مستوى المدينة أو المنطقة أو على مستوى المملكة حسب نوع العقار.

خذ على سبيل المثال في مدينة الرياض؛ تبين مشاهدات الأسعار في عددٍ من أحياء المدينة “العليا، العقيق، الشفاء، الأمانة، الجزيرة، النسيم، الحمراء، الخليج”، تبين القراءات المنفردة تراوح التغيرات في سعر متر الأرض “السكني” للشهرين شعبان ورمضان بين ارتفاع 26.4 في المائة “حي الخليج” وانخفاض -66.1 في المائة “حي العليا”، وبالنسبة للتغير للشهرين رمضان وشوال وصل الارتفاع إلى 172.1 في المائة “حي الجزيرة” والانخفاض إلى -29.4 في المائة “حي العليا”. ولكن باستخراج المؤشر المجمع لكل تلك الأحياء، يظهر أن التغير بين شعبان ورمضان نتج عن تراجعٍ بمتوسط الأسعار مأخوذا في الاعتبار المساحات بنحو -20.5 في المائة، وبلغ التراجع خلال رمضان وشوال نحو -4.7 في المائة، وللتذكير ليس هذا إلا مثال على أهمية المؤشرات التي أتحدث عنها، علما بأن الأسعار فعلية حسبما ورد على موقع وزارة العدل.

لا بد من التعاون مع وزارة العدل من قبل كل من مصلحة الإحصاءات العامّة والمعلومات ومؤسسة النقد العربي السعودي، وضرورة العمل بنمط أسرع نحو إصدار مثل هذه المؤشرات ونشرها بصفة شهرية ومنتظمة، والجهد المطلوب من الجهازين أعلاه لن يكون معقدا حتى يتأخر فعله وإنجازه، وبرأيي أنه لن يستغرق أكثر من شهر عمل في أصعب الحالات. علما بأنه قد تأتي جهة أخرى غير رسمية أو حتى شخص منفرد فيتولى إعداد مثل تلك المؤشرات، وهذا عين الإحراج ودليل التقصير من قبل المصلحة والمؤسسة إنْ حدث!

لا عذر على الإطلاق أمام كل من المصلحة والمؤسسة في ظل توافر البيانات الخام الحقيقية التي وفّرتها وتوفّرها وزارة العدل، والمأمول عاجلاً أنْ تبادر كلا الجهتين بسرعة إصدار تلك المؤشرات، التي يعتبر الاقتصاد والمجتمع في أمسِّ الحاجة إليها، خاصة أننا في مواجهة واحدة من أكبر التحديات التنموية ممثلة في أزمة الإسكان التي لحق ضررها بأغلب المواطنين والأسر. سنبدأ جميعا بمراقبة عقارب الساعة، وننتظر استجابة مسؤولة من المصلحة والمؤسسة لنرى تلك المؤشرات المهمة، وقد أصبحت منشورة ومتاحة للجميع. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/25/article_879935.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.