قراءة “تحذيرية” لقواعد تنظيم الاستثمار الأجنبي

أصدرت هيئة السوق المالية الخميس الماضي “مسودة” مشروع القواعد المنظمة لاستثمار المؤسسات المالية الأجنبية المؤهلة في الأسهم المدرجة، التي تستهدف تنظيم تسجيل المستثمرين الأجانب المؤهلين لدى الهيئة للاستثمار في السوق المالية المحلية، وتحديد التزامات الأشخاص المرخص لهم في ذلك الشأن.

إجمالا، سعت الهيئة من خلال مواد هذه “المسودة” للمشروع إلى اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة التي تحاول المحافظة على استقرار السوق المالية في الدرجة الأولى، وحمايته من السيطرة المفرطة للاستثمارات الأجنبية المتوقع تدفقها على الأصول المدرجة في السوق، إضافة إلى جهودها المشتركة التي لم يُشر إليها في “مسودة” المشروع مع مؤسسة النقد العربي السعودي، من أجل حماية السوق والاقتصاد من تدفق الأموال الساخنة وعمليات غسيل الأموال، والتي تتحمل مسؤوليتها بالكامل مؤسسة النقد.

وبما أن هيئة السوق المالية أصدرت بداية مشروع القواعد المنظمة في “مسودة”، بهدف الاسترشاد بما قد يرد إليها من ملاحظات على تلك القواعد قبل إنفاذها نظاميا، كانت هذه القراءة المختصرة، التي حاولت التركيز على أهم ما لفت الانتباه في موادها، التي يرى الكاتب أن من الضرورة بمكان معالجتها قبل إقرارها بصورتها النهائية، بعضها مخالف تماما لما ورد في نظام السوق المالية ولوائحه التنفيذية، وبعضها حمل كما كبيرا من الغموض حول آلية تطبيقه على أرض الواقع، عدا ما قد يترتب عليه من مخاطر قد تهدد استقرار السوق المالية بالكامل، بل قد تعرضه لاحتمالات التراجعات الحادة، وهو بكل تأكيد ما لا يتمناه أي طرف من الأطراف، وفي مقدمتهم هيئة السوق المالية، خاصة إذا حدث ذلك الانهيار المفاجئ في غياب تام لأي من المخاطر التقليدية اقتصاديا أو ماليا التي تؤثر كعادتها على الأسواق المالية.

يمكن بلورة تلك الحالتين أعلاه، في الملاحظتين الرئيستين التاليتين؛ الملاحظة الأولى: الاعتراض التام على ما ورد في المادة الثالثة “الإعفاء” من الباب الأول “أحكام تمهيدية” من القواعد. الملاحظة الثانية: الآلية التي ستعتمدها هيئة السوق المالية لتطبيق الفقرتين الـ 4 و5 من المادة الـ 21 “قيود الاستثمار” من الباب الثالث “الالتزامات المستمرة”.

بالنسبة للملاحظة الأولى: نصت المادة الثالثة “الإعفاء” من الباب الأول “أحكام تمهيدية” على: أ) للهيئة إعفاء الطلب أو عملائه أو المستثمر الأجنبي المؤهل أو عملائه أو الشخص المرخص له من تطبيق أي من أحكام هذه القواعد كليا أو جزئيا، إما بناء على طلب تتلقاه من أي منهم أو بمبادرة منها. ب) للهيئة إعلان الإعفاء من أي حكم عندما ترى أن ذلك لن يؤثر بشكل سلبي وجوهري في المستفيد من الإعفاء.

إنه أمر ملفت جدا أن يرد مثل هذا النص القانوني في مطلع أي تنظيم أو قواعد أو لائحة، فهو في البداية يتعارض مع الصلاحيات الممنوحة لهيئة السوق المالية بموجب ما ورد في نظام السوق المالية في الفصل الثاني منه، بل لا يدخل ضمن صلاحيات الهيئة إعفاء أي طرف من أطراف السوق من الالتزامات سواء تلك التي وردت في النظام أو أي من لوائحه التنفيذية. علما أن نص هذه المادة بالتحديد يتعارض جملة وتفصيلا مع ما ورد في المادة الـ 20 “التزام الأنظمة واللوائح” من الباب الثالث “الالتزامات المستمرة”، التي نصت على أنه: يجب على المستثمر الأجنبي المؤهل وفي جميع الأوقات التزام الأحكام ذات العلاقة المنصوص عليها في النظام ولوائحه التنفيذية وقواعد السوق ولوائحها والأنظمة الأخرى ذات العلاقة.

هذا عدا أن إقرار مثل هذه المادة سيثير التساؤلات التالية: 1) من سيتحمل “قانونيا” نتيجة إعفاء أي من الخاضعين لهذه القواعد سواء كليا أو جزئيا؟ هل هو مجلس الهيئة، أم الموظف المسؤول الذي منح الإعفاء؟ خاصة إذا ترتب عليه عواقب وخيمة؟ 2) أليس هذا عين الإخلال ببيئة المنافسة في السوق، حينما يمنح طرف دون الآخر إعفاءا كليا أو جزئيا؟ سواء بين المستثمرين الأجانب المحتملين، أو بالمقارنة بالشركات الاستثمارية المرخصة المحلية. إنها مادة تسقط هيبة الاقتصاد الوطني وسوقه المالية، قبل أن تسقط هيبة هيئة السوق المالية، وتعطي انطباعا غير حقيقي على الإطلاق؛ أن اقتصادنا الذي يتمتع بأعلى معدلات السيولة عالميا، يستجدي السيولة الاستثمارية من الخارج، ما يدفع للمطالبة بإلغاء هذه المادة جملة وتفصيلا للأسباب الواردة أعلاه.

أما بالنسبة للملاحظة الثانية: نصت الفقرتان 4 و5 من المادة الـ 21 “قيود الاستثمار” من الباب الثالث “الالتزامات المستمرة” على ما يلي: الفقرة 4) لا يجوز للمستثمرين الأجانب المؤهلين وعملائهم الموافق عليهم مجتمعين تملك أكثر من 20 في المائة من الأسهم الصادرة عن أي مصدر تكون أسهمه مدرجة. 5) لا يجوز للمستثمرين الأجانب المؤهلين وعملائهم الموافق عليهم مجتمعين تملك أكثر من 10 في المائة من القيمة السوقية الصادرة عن جميع المصدرين المدرجة أسهمهم، وتشمل هذه النسبة أي استثمارات عن طريق اتفاقيات المبادلة.

التساؤل البسيط الذي يتبادر إلى الذهن هنا؛ في حال تجاوزت القيمة السوقية الإجمالية لهذه الـ 20 في المائة من الأسهم المصدرة، سقف الـ 10 في المائة من القيمة السوقية الصادرة عن جميع المصدرين المدرجة أسهمهم، المسموح بها كحد أعلى للمستثمرين الأجانب المؤهلين وعملائهم الموافق عليهم مجتمعين، لأي سبب من الأسباب؛ كأن تتركز عليها سيولة أغلب المتداولين محليين وأجانب، نتيجة لإقبال المتداولين المحليين وتوقعاتهم بارتفاع قيمة تلك الأصول! ما الآلية التي ستلجأ إليها الهيئة حال تجاوز ملكية المستثمرين الأجانب لسقف تلك النسبة؟ هل ستتدخل في السوق “عمليات البيع والشراء”، وهو ما لا يسمح به لها نظام السوق المالية؟ وهل ستتورط الهيئة على سبيل المثال في إرغام طرف أو أطراف من المستثمرين الأجانب المؤهلين وعملائهم الموافق عليهم على البيع؟ وكيف ستتعامل مع الأطراف التي منحتها “إعفاءا” كليا أو جزئيا في حال تم إقرار المادة الثالثة من القواعد المشار إليها أعلاه؟ ثم، ما الانعكاسات المحتملة على أداء السوق المالية عموما حال لجوء المستثمرين الأجانب للبيع، التزاما من قبلهم بنص هاتين الفقرتين؟

لقد كفل نظام السوق المالية للهيئة صلاحيات إصدار اللوائح والقواعد والتعليمات، التي تحقق بكل عدالة وكفاية وشفافية أحكام النظام في معاملات الأوراق المالية، وكما بدا من الملاحظتين أعلاه؛ أنه يوجد ثغرات بالغة الخطورة في حال لم يتم استدراكها وسدها. وكواجب على المختصين والكتاب تجاه هيئة السوق المالية، بالتعاون معها لتطوير عملها بما يخدم اقتصادنا الوطني وسوقه المالية، لا بد من استمرار مراجعة هذه القواعد وغيرها، وتقديم النتائج بوضوح تام إلى الهيئة، بما يحقق المصلحة العامة لاقتصادنا ومجتمعنا العزيز. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/23/article_879336.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أسواق مالية, أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.