ما الأبواب التي سيفتحها “ساند” على اقتصادنا؟

كان بالإمكان تجنب كل الجدال القائم حول “ساند” نظام التأمين ضد التعطل عن العمل، لو تم التمويل والتعويض عن طريق صندوق الموارد البشرية، الذي يتمتع بقدرته التمويلية الأكبر من الحكومة ومصادر تمويله من القطاع الخاص، وهو الدور الرئيس الذي لأجله أنشئ. وكان ممكنا أيضا وهو الأهم؛ أن تكون خيارات التعويض المقترحة للمتعطلين عن العمل سببا في سد المخاطر الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن البطالة، لا أن تتسبب في زيادة اتساع منافذها، بغض النظر عن التجارب الدولية التي تحتج بها الجهات القائمة على تطبيق النظام، التي تبين أنها اعتمدت على تجارب بعينها في بلدان تختلف طبيعة أنظمتها وأسواقها تماما عما هو قائم لدينا، ما يقلص كثيرا من الاقتناع بتلك الحجج، بل يسقطها تماما. في الوقت الذي لم يشهد النظام أي استقاء من تجارب الدول المقاربة لوضع الأنظمة والسوق لدينا، وهو ما تم الحديث عنه بتوسع في مقالي: «ساند» لدعم العاطلين أم لدعم مؤسسة التأمينات؟، المنشور هنا في صحيفة “الاقتصادية” عدد 7609، تاريخ 11 آب (أغسطس) 2014.

تتركز المشكلة في الوقت الراهن على مصدر تمويل نظام “ساند”، التي حشرت في ورطتها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية كمحصل لتمويل الإعانة، فيما سيتولى دفعها للمستحقين صندوق الموارد البشرية، وفقا للشروط والضوابط المنصوص عليها في نظام “ساند” ولائحته التنفيذية. وفقا للتقديرات المستندة إلى الإحصاءات الرسمية لوزارة العمل على مستوى أعداد العمالة السعودية، ومستويات الأجور الشهرية، يتوقع أن تبلغ متحصلات نظام “ساند” خلال عامه الأول أكثر من 2.0 مليار ريال، ويقدر أن يتجاوز إجماليها خلال عشرة أعوام قادمة 47 مليار ريال. اللافت للنظر أن حالات الفصل وفقدان العمل لم تتجاوز خلال 2013 ، 565 حالة فقط، وفقا للتقرير السنوي الأخير لوزارة العمل، كما لم يتجاوز مجموع مبالغ النزاع المنتهية الشاملة للفصل وغيره من قضايا الحقوق النظامية سقف 186.9 مليون ريال طوال العام (9.3 في المائة من إجمالي المتحصلات المقدرة لنظام “ساند”).

إننا وفق خيار النظام الراهن الذي أصبح نافذا، أمام بابين مشرعين، كلاهما أخطر من الآخر؛ الباب الأول: أن يتم تمويل النظام بأعلى من احتياجاته المالية (تسعة أضعاف)، نظرا لضعف حالات الفصل وفقدان العمل، والمستفيد هنا أكثر من غيره هو المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، بينما المتضرر الأكبر في الأجل الطويل هو العامل السعودي في القطاع الخاص، بسبب (1) انخفاض أجره المستلم (4320.7 ريال شهريا بعد خصم التقاعد)، (2) عدم استرداده المبلغ المستقطع طوال عمره الوظيفي عند نهاية خدمته إذا لم يفقد عمله لأي من الأسباب الواردة في النظام.

علما بأن اللائحة التنفيذية لنظام “ساند” أوردت في مادتها التاسعة نصا يحدد أي أساس سيعتد به عند تحديد أسباب انتهاء علاقة العمل بين العامل ورب العمل؛ ذكرت فيه “یكون الاعتداد في تحديد أسباب انتهاء علاقة العمل فیما یخص تنفیذ أحكام النظام بالأسباب التي يحددها أصحاب العمل عند استبعاد المشترك وفق ما هو مثبت في سجلات المؤسسة، وفي حال اعتراض المشترك على صحة الأسباب التي حددها صاحب العمل فيمكنه اللجوء للجهة القضائية المختصة بالنظر في قضايا العمل، دون إخلال ذلك بحق المؤسسة في توقيع العقوبات المنصوص عليها في المادة (الخامسة والعشرين) من النظام على صاحب العمل المخالف لأي حكم من أحكام النظام واللائحة”. وهنا ندرك جميعا ما يتوافر للمنشآت من قدرات وحيل مقابل ما لدى الفرد العامل، لتسويغ أية قرارات قد تتخذها للتملص من أية استحقاقات للعامل على تلك المنشأة، هذا عدا مواجهة العامل المتعطل للتحديات المعيشية حتى يثبت حقوقه أمام الجهة القضائية المختصة بالنظر في النزاع مع جهة عمله، التي لن يتمكن خلالها من تسلم أية معونات أو دعم.

هذا الباب يبين في حالة تحققه أية امتيازات تمويلية ستحصل عليها المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، مقابل شتات أحوال المتعطلين سواء قل أو كثر عددهم قياسا على صعوبة إثبات حالات الفصل، وكون القول الفصل في تحديد أسباب ترك العمل في نهاية الأمر بيد المنشأة “رب العمل”، الذي يسقط في الأخير الفائدة المستهدفة من النظام!

أما الباب الثاني “وهو الأكثر خطرا وفتكا”: أن تتخذ منشآت القطاع الخاص النظام ذريعة لعدد من غاياتها، وهي على سبيل المثال لا الحصر: (1) التخلص من العاملين السعوديين ذوي الأجور المرتفعة، والتركيز هنا ليس فقط على نسبة الـ 1 في المائة التي تتحملها “مأخوذة في الحسبان رغم كل ذلك”، بل لتعويضهم بأعداد أكبر من العاملين السعوديين بأجور متدنية لإرضاء برنامج نطاقات “وقد تلجأ للسعودة الوهمية”، هذا من جانب. من جانب آخر؛ للتخلص من عبء تكلفة مكافأة نهاية الخدمة التي تلتزم المنشأة بدفعها للعامل عند تقاعده النظامي، التي عادة ما تكون نصف راتب عن أول خمسة أعوام من الخدمة، وراتبا كاملا عن كل عام بعدها. ولك أن تتخيل التحديات المعيشية التي ستواجهها هذه الشريحة المهمة وأسرها من السكان حال فقدانهم لأعمالهم، وماذا ستجود به سوق العمل من فرص لهم بعدئذ، وأي رواتب تقاعدية سيحصلون عليها بعد تقلص مدد خدمتهم، أو قبولهم بأجور متدنية لمقابلة حياتهم المعيشية؟! (2) أن تتخذ المنشآت التكلفة التي تتحملها تجاه النظام ذريعة لخفض الأجور الشهرية المدفوعة للعمالة السعودية، والنمو المحدود إن حدث على مستويات تلك الأجور في الأجل الطويل! كل ما تقدم في ضوء هذا الباب أقل ما يقال عنه إنه “مفزع” جدا، وسيتسبب في زيادة كل من البطالة والتوظيف الوهمي وخفض مستويات الأجور بالنسبة للمواطنين!

وبالعودة إلى ما ورد في المادة التاسعة في اللائحة التنفيذية للنظام المذكورة أعلاه؛ فإن فرص زيادة مدفوعات الإعانة ستكون في أدنى مستوياتها مقابل زيادة أعداد المتعطلين وفقا لما ورد أعلاه في الباب الثاني! إننا والحال تلك؛ نصبح في مواجهة خطر أكبر من مجرد خطر أعداد من المتعطلين لم يتجاوزوا طوال السنوات الماضية سقف الـ 700 موظف مفصول، فأعداد المتعطلين في طريقها لتصبح بعشرات الآلاف، مقابل محدودية فرص استفادة تلك الأعداد الهائلة المتوقعة وفقا لنصوص مواد النظام ولائحته التنفيذية! فهل بالإمكان استدراك الخطر قبل أن يستفحل أم أننا سننتظر حتى تقع الفأس في الرأس؟ والله أعلم؛ هل سيكون في مقدورنا احتواء تلك الأخطار والأزمات المتوقعة حال وقوعها أم لا؟! والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/20/article_878485.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.