الزحف الصاعد للتسرّب الاقتصادي

أليس لافتا أن تأتي نتائج العديد من السياسات الاقتصادية والقرارات التنظيمية على عكس ما استهدفت؟ والأكثر لفتا من ذلك؛ أن لا تشهد أي من تلك السياسات أو القرارات تعديلا في مضمونها حال انحراف النتائج عما كان مستهدفا من تصميمها أو إقرارها!

إنه ما حدث بالفعل على مستوى السياسات الاقتصادية المتعلقة بتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وبسوق العمل المحلية، التي كانت تستهدف زيادة في الهدف الأول بالدرجة التي تسهم في إحلال الواردات في أحد أهم جوانبها، واستهدفت أيضا تخفيض الاستقدام مقابل زيادة توطين فرص العمل. إذ تبين الإحصاءات الرسمية خلال الفترة 2010 – 2013 أن الواردات ارتفعت هذه الفترة الوجيزة من 400.7 مليار ريال خلال 2010 إلى نحو 630.7 مليار ريال بنهاية 2013، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي يتوقع أن ترتفع فاتورة الواردات بنهاية العام الجاري إلى 674.5 مليار ريال. فيما تبين إحصاءات وزارة العمل ارتفاع عدد التأشيرات للفترة نفسها إلى أكثر من 8.2 مليون تأشيرة، ليبلغ حجم العمالة الوافدة بنهاية 2013 نحو 8.3 مليون عامل وافد “عدد السكان غير السعوديين 9.72 مليون نسمة”، انعكس تأثيرها على زيادة التحويلات المالية للخارج من 105.4 مليار ريال خلال 2010، لتبلغ بنهاية 2013 نحو 148 مليار ريال، ويتوقع وفقا للبيانات الشهرية لمؤسسة النقد العربي السعودي أن ترتفع تلك التحويلات للخارج إلى نحو 155 مليار ريال بنهاية العام الجاري.

وفقا للأرقام المبينة أعلاه؛ يقدر أن يرتفع مجموع فاتورة الواردات والتحويلات للخارج بنهاية العام الجاري إلى نحو 829.4 مليار ريال، أي ما يشكل 52.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي “28.4 في المائة من إجمالي الناتج المحلي”، وما يشكل 69.1 في المائة من إجمالي الصادرات النفطية للاقتصاد خلال العام. ووفقا لمستواها المرتفع على هذه الصورة، فإنها تعد من أعلى معدلات التسرب الاقتصادي في سلم الاقتصادات حول العالم. وبالنظر إلى تطورها خلال الفترة 2010 – 2013 يتبين أن نسبة التسرب الاقتصادي ارتفعت بنهاية 2010 من 46.9 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي “62.7 في المائة من إجمالي الصادرات غير النفطية” إلى مستواها الراهن، وفي حال لم يطرأ أية تغييرات حقيقية على السياسات الاقتصادية الراهنة، وما يترجم بناء عليها من قرارات وإجراءات صادرة عن الأجهزة الحكومية التنفيذية، فهذا يعني أن هدر التسرب في طريقه إلى الارتفاع خلال الأعوام المقبلة، الذي بدوره سيسهم في زيادة الأعباء والتحديات على كاهل الاقتصاد الوطني.

يعكس النمو المستمر بالتحديد في حجم التحويلات المالية للخارج كفاءة برامج التوطين، كما يعكس النمو المستمر في فاتورة الواردات كفاءة سياسات تنويع القاعدة الإنتاجية، وكما يلاحظ كنتيجة من البيانات الرسمية أعلاه أن مجريات الأمور تسير عكس ما كان مستهدفا لها، فما بالك وأنت أمام معدل نمو سنوي سواء للواردات أو التحويلات للخارج أو استقدام العمالة من الخارج تعتبر جميعها أكبر من معدل النمو السنوي للصادرات غير النفطية؟ أليس سؤالا مشروعا أن نتساءل حول الجدوى من ارتفاع وتيرة استقدام العمالة من الخارج، لتتضخم سوق العمل المحلية بنحو 11 مليون عامل، يفترض أن ينعكس نموها اللافت خلال الفترة الماضية على نمو إنتاجية الاقتصاد الوطني؟ فنشهد نموا في صادراته غير النفطية بوتيرة أسرع من اعتماده على الاستيراد من الخارج، ما يعني أنه كلما زاد التوظيف والاستقدام، زاد الاعتماد على الواردات “زيادة الاستهلاك المحلي من الخارج”، وهذا ما يخالف دون أدنى شك الأهداف النهائية للخطط التنموية وسياساتها الاقتصادية المتعددة.

كل ذلك يعيدنا إلى المربع الأول الذي طالما نوقش كثيرا مع مختلف الأجهزة التنفيذية في الشأن الاقتصادي؛ هل السياسات والبرامج الراهنة تسير بالاقتصاد الوطني إلى مزيد من الاعتماد على قاعدته الإنتاجية غير النفطية أم العكس؟ هل الميزانية العامة هي من تدعم الاقتصاد الوطني عبر الإنفاق الحكومي، أم أن الاقتصاد هو من يدعم إيرادات الميزانية العامة؟ يبدو أن الإجابة واضحة تماما للقارئ الكريم؛ فحتى اليوم لا يزال طريق الاقتصاد الوطني يزداد اعتماده على إيرادات النفط، فيما لا تتعدى مساهمة الصناعات التحويلية نسبة 11.8 في المائة إجمالي الناتج المحلي الحقيقي، ولا يزال الإنفاق الحكومي يمثل المضخة الأهم بالنسبة للاقتصاد.

لماذا يتطرق الكاتب لكل هذا؟ إنه باختصار شديد المقدمات الرئيسة للمشهد العام الذي يقف عليه اقتصادنا، ولا يتعدى “التسرب الاقتصادي” الذي أستعرضه هنا سوى أحد نتائجه! لأصل مع القارئ الكريم إلى حقيقة الأرض التي يقف عليها القطاع الخاص، مذكرا بما سبق الحديث عنه؛ أن منشآته التي وصل عددها حتى نهاية 2013 إلى 1.78 مليون منشأة “9.7 مليون عامل” يقوم عودها على: إما 1- دخلها من العقود المبرمة مع الحكومة. أو 2- دخلها من الاستيراد بالجملة من الخارج والبيع بالتجزئة في الداخل، عدا هوامش أرباحها المتحققة من مزايا الدعم الحكومي على استهلاك تلك المنشآت من الطاقة.

وفق هذا المنظور؛ لم تأتِ منشآت القطاع الخاص بجديد من عندها، فقد وجدت سياسات اقتصادية مصممة على ما هي عليه بوضعها الراهن، لتفرزها بالصورة التي هي عليه كما نرى! بكل ما تحمله من إيجابيات وسلبيات، تأكد لدينا بناء على ما أظهرته الإحصاءات الرسمية أن السلبيات أعلى كعبا من الإيجابيات، لعل من أثقلها تكلفة وعبئا على الاقتصاد الوطني ما نشهده في جانب التسرب الاقتصادي المتوقع بلوغ فاتورته بنهاية العام الجاري 829.4 مليار ريال.

تتشكل إدارة الاقتصاد من حلقات ترتبط ببعضها البعض ارتباطا وثيقا لا يمكن إغفاله أو تجاهله، وإن حدث ذلك لأي سبب كان، فإنك ستشهد اقتصادا مفككا يتضارب أداء حلقاته بعضها ضد الآخر، في حين إذا وجدت الرؤية الشاملة والفاعلة لأداء تلك الحلقات وأهدافها، سترى تضافرها وانسجامها تنصب نتائجهما الإيجابية في المحصلة النهائية لمصلحة الاقتصاد والمجتمع، تتجلى مؤشراته في تعزيز النمو والاستقرار الاقتصادي، وارتفاع مستويات دخل الأفراد وتحسن مستويات معيشتهم، التي تعكس العديد من تحسن مؤشرات الأداء، لعل من أبرزها التطور الملموس في البنى التحتية والخدماتية للاقتصاد، وارتفاع الإنتاجية والتنافسية والشفافية، مقابل انحسار أنشطة المضاربة على الأصول، والاحتكار ومختلف أوجه الفساد المالي والإداري والاقتصادي. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/16/article_877095.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.