“ساند” والدولار الأمريكي مرة أخرى

على الرغم من المحاولات المضنية التي تبذل من الكاتب لإيضاح الفكرة التي يتطرق إليها في أي شأن عام، حتى تتضح بصورة جلية أمام القارئ الكريم والمسؤول الأول المعني بالموضوع، إلا أن جهوده أحيانا تبوء بالفشل! لذا يضطر الكاتب لإعادة التذكير والإيضاح، رغم أن الفكرة أو الموضوع قد يكونان على قدر كبير من الوضوح.

قد يكون جزء من عدم وضوح الفكرة لدى المسؤول بناء على رد فعله وتعليقه راجع إلى عدة أسباب، منها: 1) إما أنه في الأصل لم يفهم الموضوع لعدم معرفته وإلمامه به، وهذه مشكلة خطيرة جدا! أن يكون مسؤولا بهذا المستوى والمسؤولية الجسيمة، ثم لا يفقه ما المسؤوليات والمهام المناطة به، ولا يدرك ما الآثار المحتملة للقرارات التي تصدر عن الجهاز الذي يتولى قيادته، وما يخشى منه أن يكون هذا الأمر أحد أسباب تراجع العديد من الأجهزة الحكومية عن بعض قراراتها، واضطرارها لتغييرها أو إلغائها في وقت لاحق. أو 2) أنه يدرك جيدا صلب أفكار المواضيع التي يتم إثارتها إعلاميا، غير أنه يلتف عليها متجاهلا لتلك الأفكار، لمعرفته التامة أنها صحيحة ولكنه قد لا يملك الجرأة والمعرفة الكافيتين لاتخاذ ما يلزم تجاهها. لهذا يذهب في رده وتعليقه إلى جوانب أخرى هامشية لا تمت بأي صلة للقضية التي تم التطرق إليها بالنقاش والبحث! ومثل هذا ليس في اليد إلا أن يتم تكرار الحديث عليه، لعل وعسى أن يتواضع فيحترم عقولنا، ويقدم الرد والتعليق المناسب للقضية المحددة التي يحاول المجتمع فهم خلفياتها وحقائقها.

من بين القضايا العديدة التي تهم الرأي العام في الوقت الراهن؛ القضيتان التاليتان: 1) قضية سعر ارتباط الريال مع الدولار الأمريكي، لا موضوع الارتباط بين العملتين. 2) قضية برنامج “ساند” الذي ينظم دفع إعانات للعاطل عن العمل مؤقتا، والحديث هنا ليس عن ضرورة دفع تلك الإعانة لمن يستحقها، بل عن “مصدر تمويل” تلك الإعانات.

بالنسبة للقضية الأولى “سعر ارتباط الريال مع الدولار الأمريكي”، معلوم أن مسألة الارتباط بعملة عالمية كالدولار، يظل خيارا وحيدا بالنسبة لاقتصاد مثل اقتصادنا يعتمد في دخله بأكثر من 91 في المائة على بيع مورد ناضب كالنفط، والسؤال هنا ليس حول هذه القضية، بقدر ما أنه منصب بالدرجة الأولى على السعر ذاته المحدد قبل أكثر من 28 عاما مضى “3.75 ريال لكل دولار”. فكما هو مثبت ومؤكد بالأرقام الرسمية، وحسبما تم إيضاحه في الكثير من المقالات والدراسات حول هذه القضية، أن الدولار الأمريكي تعرض طوال العقود الثلاثة الماضية إلى تراجع شديد في قوته الشرائية، انتقل أثره نظير هذا الارتباط إلى الريال السعودي، على الرغم من الاختلاف الكبير بين أوضاع الاقتصادين السعودي والأمريكي.

هذا بدوره ألقى بتبعات معيشية بالغة التعقيد على المواطن والمقيم في المملكة، على العكس من المقيم في الولايات المتحدة، تجلى ذلك في ارتفاع تكلفة المعيشة “التضخم” في المملكة، نتيجة ارتفاع تكلفة الواردات التي تلبي أغلب احتياجات الطلب المحلي، شهدنا آثارها السلبية في أغلب جوانب حياتنا بدءا من السلع الاستهلاكية مرورا بالسلع المعمرة وانتهاء بالأزمة الأكثر تعقيدا في السوق العقارية، شكلت مجتمعة تحديات تنموية مرهقة جدا للاقتصاد والمجتمع على حد سواء. لهذا كان من الضرورة البحث مجددا في جدوى بقاء هذا السعر على ما هو عليه الآن، أو أن تعمل كل من وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي على البدء في خفض قيمة الدولار أمام الريال، الذي بدوره يعني الاعتراف بالانخفاض الكبير في قيمة الدولار الأمريكي، وعكسه على سعر الصرف الثابت مع الريال، لما لذلك التقييم المبالغ فيه لقيمة الدولار الضعيف أمام الريال من الآثار السلبية، التي دفع ثمنها الباهظ وحيدا أصحاب الدخول الثابتة، على العكس من التجار وملاك الأصول، كونهم يمتلكون القدرة والمرونة الكافية لرفع أسعار مبيعاتهم وأصولهم كلما شهدوا انخفاضا في القوة الشرائية للريال، نتيجة انخفاض قيمة الدولار الأمريكي في أسواق الصرف العالمية. إذا كان هناك سؤال حول “لماذا يجب أن يظل الريال مرتبط بعملة عالمية كالدولار أو غيره من العملات الرئيسة”، فهذا سؤال يوجه للأجهزة الحكومية في القطاع الاقتصادي لدينا؛ لماذا ظل الاقتصاد السعودي رهينا لهذا الخيار؟ ولماذا لم تتحقق أهداف سياساتها الاقتصادية، التي مضى عليها نحو 44 عاما من سعيها نحو تحقيق التنويع الإنتاجي للاقتصاد الوطني؟ وهو الشرط الوحيد للاستقلال التام عن الارتباط بأي عملة أخرى، والذي سبق أن حدده وزير الاقتصاد والتخطيط في أحد تصريحاته: لكي يعوم الاقتصاد السعودي عملته في أسواق الصرف، فإن عليه أن يبلغ بمساهمة الصناعات التحويلية لأكثر من 90 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، علما أن تلك النسبة لم تتجاوز سقف الـ 11.8 في المائة طوال أكثر من أربعة عقود مضت. هذه الأسئلة من يملك الإجابة عليها غير تلك الأجهزة الحكومية؟ أليس الإخفاق في تحقيق تقدم ملموس على طريقها، هو السبب الرئيس وراء ما ندور في حلقته المفرغة في الوقت الراهن؟

أما بالنسبة لنظام “ساند”، فكما أوضحت أعلاه أن الانتقاد القائم في هذه القضية، لم ولا ولن يتطرق إلى استحقاق من يفقد عمله لأي طارئ معين “تعويضا ماديا” يعنيه على الوفاء بأعباء أسرته المعيشية، إنما تركز فقط على آلية تمويل الموارد المالية التي ستمول مدفوعات تلك التعويضات. وكما أن وزارة العمل والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية استشهدت بالتجارب الدولية المماثلة التي تتطابق مع الآلية الراهنة، فقد وجدنا تجارب دولية أخرى تختلف تماما عن التجارب التي اعتمدت محليا. اللافت جدا؛ أن تجارب الدول التي تعاني كثيرا على المستوى الاقتصادي والمالي كانت هي الحاضرة، بينما تم تجاهل تجارب الدول الأقرب إلينا من حيث الرفاهية الاقتصادية والمالية، علما أنها تعد الأقل من حيث حجم الموارد والدخل!

وكما بينت الإحصاءات الرسمية لوزارة العمل في تقريرها السنوي الأخير، لم يتجاوز عدد القضايا المنتهية أمام الهيئات الابتدائية بالفصل للعام الماضي سقف الـ 565 حالة فصل، كما لم يتجاوز مجموع مبالغ النزاع المنتهية لقضايا الحقوق النظامية كافة بما فيها “الفصل” سقف الـ 186.9 مليون ريال لعام 2013 بأكمله، أي ما لا يتجاوز 9.3 في المائة من إجمالي التمويل المخطط لنظام ساند الراهن، والمقدر بلوغه نحو 2.0 مليار ريال في عامه الأول، وأن يتجاوز مجموع أرصدته في منظور الأعوام العشرة المقبلة 47 مليار ريال.

إذن الإجابة المنتظرة في القضيتين أعلاه؛ يجب أن تتركز على: 1) سعر الصرف الراهن للريال مقابل الدولار. 2) مصدر تمويل نظام “ساند”. هل هناك أوضح من هذا العرض؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/13/article_876202.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.