أخيراً “سيف” الجرائم الاقتصادية

مكسب جديد للاقتصاد الوطني، وخطوة أخرى على طريق الإصلاح الاقتصادي في بلادنا، ذلك باختصار شديد العنوان الأبرز للقرار الذي أصدره أخيرا رئيس هيئة التحقيق والادعاء العام بإنشاء دائرة “الجرائم الاقتصادية”، متضمنا نقل الاختصاصات والأنشطة المتعلقة بقطاع الرقابة المركزية وأجهزة التحقيق واختصاصات الجهات واللجان المتعلقة بالتحقيق والادعاء في جرائم جنائية إلى هيئة التحقيق والادعاء العام. تركز الهدف العام لإنشاء هذه الدائرة في التحقق من تطبيق الأنظمة واللوائح والتعليمات في التحقيق في الجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني.

كما حددت مهام واختصاصات هذه الدائرة فيما يلي: 1) اقتراح القواعد والضوابط التنفيذية المنظمة للأعمال المتعلقة بالتحقيق في الجرائم الاقتصادية. 2) دراسة أوامر الحفظ وطلبات التمديد في قضايا الجرائم الاقتصادية المرفوعة من فروع ودوائر الهيئة. 3) إبداء الرأي والمشورة في أي أمور تتعلق بالتحقيق في هذه الجرائم ودراستها وفقا للكتاب والسنة، وما نصت عليه الأنظمة والتعليمات. 4) دراسة المشاكل والمصاعب التي تصاحب ظروف التحقيق وملابسات تلك الجرائم التي ترفع من فروع ودوائر الهيئة وتقديم المقترحات لحلها. 5) التنسيق مع الإدارات المختصة بالضبط والتحري في الجرائم الماسة بالاقتصاد الوطني. 6) المشاركة في الندوات والمؤتمرات ذات العلاقة بطبيعة عمل الدائرة داخل المملكة وخارجها. 7) أي مهام أخرى تسند في مجال اختصاصها.

يعتبر مفهوم “الجريمة الاقتصادية” حديثا نسبيا مقارنة بغيره من المفاهيم القانونية والاقتصادية الأخرى، زاد انتشاره في النصف الثاني من القرن الماضي، نتيجة زيادة تغلغل العامل الاقتصادي في حياة المجتمعات والدول. وعلى الرغم من وضع العديد من التعريفات لهذا المفهوم، إلا أنه ونتيجة للمستجدات المتسارعة المعاصرة في عالمنا اليوم، لا يزال مفهوما قابلا لإعادة تحديده. من أكثر تلك التعريفات اختصارا للجريمة الاقتصادية: “أنها كل فعل أو امتناع من شأنه المساس بسلامة اقتصاد الدولة”. بموجب هذا التعريف وغيره من التعريفات، سنجد أن كثيرا من الجرائم والمخالفات القانونية لأغلب التشريعات والأنظمة المعمول بها في الدول اليوم، كالممارسات الاحتكارية، والغش والتدليس، والتلاعب بالبيانات المالية للشركات، والكسب غير المشروع “اقتصادات الظل”، والاختلاس من المال العام، والرشاوى والكسب غير المشروع من الصفقات الحكومية، وممارسات الفساد المالي والاقتصادي التي يتورط فيها كبار المسؤولين الحكوميين، تؤكد الدراسات المتخصصة في هذا الفقه أنها تندرج ضمن فئات “الجرائم الاقتصادية”، وبالنظر إلى عواقب وآثار تلك الجرائم، وكيف أنها لا تتوقف عند التأثير على جيل واحد من المجتمع، بل يمتد إلى الأجيال المستقبلية، شاملة مقدرات البلاد والعباد دون تمييز، وكيف أنها تخلف وراءها آثارا مدمرة جدا على كافة الأصعدة، تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والأمني والاجتماعي والاقتصادي، ما قد ينتهي إلى الانهيار الشامل لأي بلد تتفشى فيه مثل تلك الجرائم. يمكن الحكم قياسا لكل ذلك على الأهمية القصوى لوجود الأنظمة الكفيلة بحماية مقدرات البلاد والمجتمع من مخاطر الجرائم الاقتصادية، مهما كانت الأسماء التي تقف متورطة وراءها.

ورغم تعذر جهود حصر الفئات التي تشملها الجريمة الاقتصادية حتى اليوم، إلا أن الجهود الدولية والمنظمات لا تزال مستمرة في محاولاتها، لعل من أبرز تلك الجهود هو ما قامت به اللجنة الوزارية لمجلس أوروبا في عام 1981 حينما حددت 17 جريمة على اعتبارها جرائم اقتصادية، هي كالتالي: 1) جرائم الكارتلات “التكتلات الاحتكارية”.2) الممارسات الاحتيالية.

3) استغلال الحالة الاقتصادية من جانب الشركات المتعددة الجنسية. 4) الحصول على المنح من الدول أو المنظمات الدولية عن طريق الاحتيال أو إساءة استعمال تلك المنح. 5) الجرائم الحاسوبية. 6) الشركات الوهمية. 7) تزوير ميزانيات الشركات وجرائم مسك الحسابات. 8 ) الغش بشأن الحالة الاقتصادية للشركات وحالة رأسمال الشركات. 9) مخالفة الشركة لمعايير الأمن والصحة المتعلقة بالعاملين. 10) الاحتيال الذي يُلحق الضرر بالدائنين. 11) الاحتيال على المستهلكين. 12) المنافسة الجائرة بما في ذلك دفع الرشاوى والإعلان المضلل. 13) جرائم الضرائب وتهرب المنشآت التجارية من سداد التكاليف الاجتماعية. 14) الجرائم الجمركية. 15) الجرائم المتعلقة بالنقود ولوائح العملة. 16) جرائم البورصات المالية والمصارف. 17) الجرائم ضد البيئة. (المصدر: ورقة عمل الجرائم الاقتصادية والمالية: تحديات تواجه التنمية المستدامة: مؤتمر الأمم المتحدة الحادي عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية – بانكوك 2005).

مما تقدم سيفاجأ الكثير من المسؤولين الحكوميين وأصحاب النفوذ والتجار وكبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات المساهمة، أؤكد أنهم أمام مفاجأة من العيار الثقيل وهم بمواجهة الدائرة الجديدة “الجرائم الاقتصادية” التي أقرتها هيئة التحقيق والادعاء العام، والتي ستكون أكثر صلاحيات ونفوذا مما يوجد لدى الهيئة العامة لمكافحة الفساد، التي لم يظهر للأخيرة الأثر القوي في الحد من ممارسات الفساد المالي والاقتصادي. شاهدنا كثيرا من الممارسات المخالفة التي لم تجد الرادع النظامي والجنائي، وأغلبها إما أنه لا يزال حرا طليقا، أو أنه يتكرر في مواقع أخرى لعدم وجود ما يردعه، ولعل من أبرز أمثلتها: 1) انتشار المساهمات وجمع الأموال. 2) تلاعب العديد من الشركات المهيأة للإدراج في السوق المالية، وإدراجها على سبيل المثال لأصول عقارية غير مملوكة لها في الأصل، من أجل تضخيم قيمة الشركة. 3) ظهور علامات الثراء المفاجأة على عدد من المسؤولين سواء في الجهاز الحكومي أو القطاع الخاص. كل تلك الأمثلة وغيرها تتطلب تطبيقا صارما للأنظمة التي تجرم أية مخالفات وجرائم اقتصادية ومالية، كما يتطلب الأمر من هيئة التحقيق والادعاء العام جهدا توعويا كثيفا جدا، تتولى من خلاله تعريف جميع فئات المجتمع بمفهوم الجرائم الاقتصادية، وما المخالفات والجرائم التي تطبق بحقها العقوبات، وكيف للمجتمع والأفراد والمهتمين أن يقدم أي منهم بلاغاته حال اكتشافه لأي من تلك الجرائم؟ إنني وغيري من الأفراد نأمل من هيئة التحقيق والادعاء العام، أن تبادر قريبا بتوضيح الصورة كاملة عبر حملة توعوية وإعلامية، تبين من خلالها عمل وصلاحيات الدائرة الجديدة “الجرائم الاقتصادية”، وأن يتم عقد عدة لقاءات مع الكتاب والمختصين والمهتمين في مختلف المدن الرئيسة، لاستعراض مهام واختصاصات تلك الدائرة بصورة أكثر تفصيلا، وكيف يمكن أن تساهم سلطة الإعلام والرأي في دعم جهود هيئة التحقيق والادعاء العام، وهو الدور المسؤول المنتظر من السلطة الرابعة بوسائلها كافة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/09/article_874738.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.