الأجور والتوظيف والقروض

أليس لافتا أنه في الفترة 2011-2013 التي زاد خلالها توظيف العمالة السعودية في القطاعين الحكومي والخاص بأكثر من مليون عامل وعاملة “زيادة بنحو 63 في المائة”، أن ترتفع القروض الاستهلاكية المصرفية على الأفراد خلال الفترة نفسها بأكثر من 133 مليار ريال “زيادة بنحو 67 في المائة”؟ وسيكون لافتا بصورة أكبر إذا ما أضفت إلى تلك القروض الاستهلاكية المصرفية الزيادة في قروض الظل المصرفي، ليصبح إجمالي الزيادة خلال الفترة نفسها أكثر من 235 مليار ريال؟ لقد زاد توظيف العمالة السعودية بصورة لافتة خلال الفترة، وبقدر أعلى زادت القروض المصرفية على الأفراد، التي تشكل أغلبها على العمالة السعودية.

هل بحث هذا الجانب من قبل أي من الجهات الحكومية “وزارة المالية، وزارة الاقتصاد والتخطيط، وزارة الشؤون الاجتماعية، وزارة الخدمة المدنية، وزارة العمل”؟ هل تمت مناقشته تحت قبة مجلس الشورى؟ أو هل على أقل تقدير لفت انتباه أي من تلك الأجهزة الحكومية، إن فرادى أو مجتمعة؟ واقع الحال على الصعيد المشاهد؛ أن شيئا من هذا الأمر لم يحدث ولم يقرأ عنه من قريب أو بعيد.

استنادا إلى نتائج الإحصاءات الرسمية المتعلقة بإجمالي الأجور المدفوعة للعمالة السعودية في القطاعين الحكومي والخاص، وإجمالي العمالة المشتغلة في كلا القطاعين حتى نهاية 2013، قدر متوسط الأجر الشهري للعامل السعودي بصورة عامة بنحو 6959 ريالا شهريا “بلغ الأجر الحقيقي 4765 ريالا”، فيما قدر متوسط الأجر الشهري للموظف القطاع الحكومي للعام نفسه بنحو 7956 ريالا شهريا “بلغ الأجر الحقيقي 5448 ريالا”، وبلغ بالنسبة إلى الموظف في القطاع الخاص نحو 4748 ريالا شهريا “بلغ الأجر الحقيقي 3251 ريالا”. يفيد معرفة الأجر الحقيقي هنا في الكشف عن قياس أثر التضخم على الأجور، الذي كما يلاحظ هنا أنه يستقطع نحو 31.5 في المائة من الأجر الأسمي! وهذا ما يلمسه الفرد في واقعه المعيشي من ارتفاع مستمر في مستويات الأسعار، انعكس على قيمة مشترياته الاستهلاكية والسلع المعمرة ومدفوعات إيجار مسكنه وغيرها من المصروفات.

لعل الأرقام المذكورة أعلاه، تسهم في تفسير جزء مهم جدا من الارتفاع الذي طرأ على القروض الاستهلاكية “إضافة إلى قروض الظل المصرفي” خلال فترة المقارنة، ذلك أن الفرد العامل سيضطر إزاء عدم قدرة دخله الشهري على الوفاء بكامل متطلباته المعيشية للجوء إلى خيارات أخرى؛ في مقدمتها لجوؤه إلى الاقتراض سواء من المصارف، أو من أقاربه أو من أصدقائه، وهذا خيار مكلف جدا دون أدنى شك! ولكنه سيكون أقل خطرا من اضطرار بعض الأفراد للتورط في عمليات إجرامية كقبول الرشوة أو طلبها بحكم موقعه الوظيفي، أو التورط في السرقة، ورغم أنها خيارات يؤمل أن تكون مستبعدة، إلا أنها تظل احتمالات قابلة للتحقق، تتطلب أخذها في عين الاعتبار في مواجهة هذه المعضلة المعيشية المعقدة التي يواجهها الفرد العامل وحيدا. معلوم أن تكاليف المعيشة اتخذت مسارا تصاعديا منذ ربيع 2006 حتى الوقت الراهن ولا تزال، خاصة تكاليف المساكن والإيجارات، مقابل ارتفاع أدنى في متوسط الأجور السنوية، وصل إلى نهايته المرحلية كما هو مبين أعلاه. ويتوقع باستمرار فعالية العوامل نفسها التي أسهمت في تشكل هذه الحالة المعقدة، ودون تدخل أي من الأجهزة الحكومية المشار إليها أعلاه في إيقاف أو إضعاف تأثير تلك العوامل؛ كضعف القوة الشرائية للريال نتيجة ارتباطه بالدولار الأمريكي، والبدء بالتفكير في تغيير سعر الارتباط بخفض قيمة الدولار من 3.75 ريال للدولار إلى سعر أدنى يتراوح بين 2.5 إلى 2.75 ريال للدولار، وهو حل سبق للأجهزة المالية والنقدية اللجوء إليه أكثر من مرة في عام واحد قبل عام 1985، اقتضت الحاجة في تلك المرحلة لاتخاذه، قبل أن يتم تثبيت سعر الارتباط الراهن بأكثر من 28 عاما مضى! واليوم وقياسا على الانخفاض الكبير الذي طرأ على قيمة الدولار الأمريكي طوال تلك الفترة الطويلة جدا، نتيجة الضعف والأزمات الاقتصادية والمالية التي مر بها الاقتصاد الأمريكي خلال العقود الثلاثة الماضية، كان طبيعيا أن تنتقل آثار ذلك الضعف الكبير الذي طرأ على قيمة الدولار إلى الريال السعودي، الذي يعيش اقتصاده ظروفا مختلفة تماما! سواء على حجم الاحتياطيات أو المديونية الحكومية أو ميزان الحساب الجاري أو أي من المعطيات الاقتصادية والمالية المتعددة، لعل أكثرها لفتا للانتباه في الوقت الراهن، الذي شكل تحديا جسيما لإدارة السياسة النقدية المحلية، اضطرار ساما لخفض سعر الفائدة على الريال اتباعا للدولار، في الوقت الذي يشهد الاقتصاد الوطني وفرة هائلة غير مسبوقة في السيولة المحلية، زاد من وطأتها التأخر الكبير الذي يعانيه الاقتصاد الوطني في جانب سوق أدوات الدين “صكوك، سندات”، التي كان بالإمكان في وجودها أن تخفف من وطأة تأثير ارتفاع السيولة المحلية في ظل محدودية استغلال الفرص الإنتاجية المحلية، وهو ما سبق التطرق إليه بصورة أوسع في المقالين السابقين لهذا المقال.

يجب التأكيد هنا، أن الحديث لا يتطرق أبدا إلى جانب فك الارتباط مع الدولار الأمريكي، بل يتركز فقط على تغيير سعر الارتباط بخفض قيمة الدولار الأمريكي أمام الريال، وأن المحاذير التي يتحدث عنها البعض من تكلفة ارتفاع فاتورة الصادرات وانخفاض قيمة الاحتياطيات المودعة في الخارج بالدولار الأمريكي إلى غيره من الاعتبارات، أؤكد أن: 1) تكاليفها مهما بلغت تظل أدنى من التكلفة الباهظة التي يكابدها المجتمع “الأفراد العاملين” تحديدا، فيما لا يشاركه أي طرف آخر من الأطراف في تحملها، وهو ما ينقض تماما مقولة إن ربط سعر الريال بالدولار الأمريكي وفق سعره الراهن تحقق الاستقرار للاقتصاد الوطني! 2) أن التكلفة المزعوم تحملها إذا ما تم خفض قيمة الدولار أمام الريال “متحققة” فعليا في الوقت الراهن؛ ممثلة في تراجع القوة الشرائية للريال! غير أن من يتحمل تكلفتها وحيدا هنا هو الفرد، في حين أن ملاك الأصول المنتجة والعقارات والأراضي والمقرضين “المصارف” تتوافر لديهم القدرة الكاملة على تجنب تراجع القوة الشرائية للريال، من خلال رفع أسعار كل من مبيعاتهم “المنتجة، أو المستوردة”، أو زيادة أثمان الأصول المملوكة من أصول وعقارات وأراض، وبهذا يتركز “ضعف القوة الشرائية للريال” على الفرد العامل فقط!

القضية هنا؛ أكبر بكثير من مجرد تناولها في مقال أو عدة مقالات قليلة. إنها قضية تمثل في حقيقتها تحديا اقتصاديا وتنمويا جسيما، تتطلب اهتماما وعملا مشتركا وسريعا من قبل الأجهزة الحكومية المشار إليها أعلاه، وتحديدا وزارة المالية ومؤسسة النقد. وهو ما سيتم التوسع في الحديث عنه مستقبلا بإذن الله تعالى. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/08/02/article_872659.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.