الاستثمارات الأجنبية.. ما لها وما علينا

نشرت صحيفة “الاقتصادية” في عددها 7563 قبل أمس الخميس، موجزا عن تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى الاقتصاد السعودي خلال 2013، وفق ما ورد في تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، أنها تراجعت إلى 34.9 مليار ريال (9.3 مليار دولار أمريكي) من 45.9 مليار ريال (12.2 مليار دولار) المتحققة في 2012، مسجّلة نسبة تراجع بلغت 23.7 في المائة، لتتراجع المملكة في سلم ترتيب الدول المتلقيّة للاستثمار الأجنبي المباشر، على مستوى دول منطقة الخليج العربي والدول العربية عموماً إلى المركز الثالث بعد كل من تركيا ودولة الإمارات العربية المتحدة.

هل تقرأ تلك الإحصاءات على أنها مؤشرات إيجابية أم سلبية بالنسبة للاقتصاد السعودي؟ ستبدو في ظاهرها مؤشرات سلبية بالنسبة للأغلبية، ولكن في الحقيقة قد تظهر أمراً مختلفاً يتطلب الوقوف عند تفاصيله بدرجة من التأمل والفحص الدقيق. الجدير بالأمر قبل التوسّع في هذا الاتجاه؛ أن يطرح التساؤل التالي: ماذا استفاد الاقتصاد السعودي من تلك التدفقات القياسية التي تحققت له خلال الفترات السابقة، حينما كان يحتل المركز الأول، خاصة خلال الأعوام 2008 و2009 و2010 التي وصلت إلى أرقام قياسية، بلغت حسب الترتيب 148 مليار ريال (39.5 مليار دولار)، 136.7 مليار ريال (36.5 مليار دولار)، 109.6 مليار ريال (29.2 مليار دولار) على التوالي؟ ماذا أضافت تلك التدفقات الاستثمارية الأجنبية إلى تنويع قاعدة الإنتاج المحلية؟ وكم وظّفت من المواطنين والمواطنات في منشآتها؟ في المقابل، ماذا استفادت تلك الاستثمارات الأجنبية من اقتصادنا؟ وأين تركزت؟ وماذا جذبها في الأصل لتأتي إلى اقتصادنا دون غيره من اقتصادات دول المنطقة؟

وفقاً لبيانات وضع الاستثمار الدولي للاقتصاد السعودي حتى نهاية 2013، بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة داخل اقتصادنا الوطني أكثر من 781.2 مليار ريال (أكثر من 208.3 مليار دولار)، شكلت نحو 80.5 في المائة من إجمالي التدفقات الاستثمارية الأجنبية بمختلف أنواعها، والتي تجاوزت حتى نهاية 2013 سقف 969.9 مليار ريال (258.7 مليار دولار)، حيث بلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية في السوق المالية المحلية “الحافظة الاستثمارية” بنهاية 2013 أكثر من 44.8 مليار ريال (نحو 12 مليار دولار)، وبلغ رصيد الاستثمارات الأجنبية الأخرى “قروض وودائع ومستحقات للدفع” نحو 143.9 مليار ريال (نحو 38.4 مليار دولار). تمكنت تلك الاستثمارات بوجه عام من تحقيق عوائد مرتفعة، حيث بلغت نسبة عوائدها المحوّلة إلى خارج الاقتصاد بنهاية 2013 نحو 5.2 في المائة، فيما حققت على مستوى الاستثمارات الأجنبية المباشرة معدلاً أكبر بلغ بنهاية 2013 نحو 6.3 في المائة، ما يشير إلى أن المصدر الأكبر للعوائد المتحققة أتى من الاستثمارات المباشرة.

في المقابل؛ بلغت الاستثمارات السعودية المباشرة في الخارج بنهاية 2013 نحو 171 مليار ريال (45.6 مليار دولار)، غير أنها لا تشكل أكثر من 4.3 في المائة من إجمالي الاستثمارات السعودية خارج الحدود البالغ رصيدها حتى نهاية 2013 نحو 3.98 تريليون ريال (1.1 تريليون دولار أمريكي)، إذ تشكل الأصول الاحتياطية المكونة في أغلبها من أوراق مالية وودائع النسبة الأكبر، التي بلغت بنهاية نفس العام أكثر من 2.7 تريليون ريال (726 مليار دولار)، أي ما نسبته 68.4 في المائة، جاء في المرتبة الثانية من حيث حجم الاستثمارات في الأسواق المالية العالمية “الحافظة الاستثمارية” بأكثر من 664.7 مليار ريال (177.3 مليار دولار) بما نسبته 16.7 في المائة من إجمالي الأصول السعودية في الخارج، فالاستثمارات الأخرى بنحو 422.3 مليار ريال (112.6 مليار دولار) بما نسبته 10.6 في المائة من إجمالي الأصول في الخارج. أخيرا بلغ معدل العائد السنوي المتحقق على إجمالي تلك الأصول في الخارج بنهاية 2013 نحو 2.4 في المائة فقط، مع الإشارة إلى أن العائد السنوي المتحقق بنهاية نفس العام على كل من الاستثمارات المباشرة واستثمارات الحافظة الاستثمارية، بلغ المعدلان على الترتيب نحو 8.5 في المائة و11.4 في المائة على التوالي، وهو ما يشير إلى أهمية إعادة التفكير بصورة جذرية في آلية إدارة الأصول الاحتياطية للاقتصاد الوطني، والذي سيكون له حديث أكثر تفصيلا في مقال آخر، يتطرق إلى مناقشة جدوى تأسيس صندوق سيادي مستقل في إدارته عن كلٍ من وزارة المالية ومؤسسة النقد العربي السعودي. وجدت أنه من الضرورة في هذا الخصوص؛ استعراض الصورة بمنظورٍ أوسع وموجز، لتكون الرؤية أكثر وضوحا أمامنا في إطار بحث ودراسة هذا الملف، الذي ستمتد كتابتي عنه إلى المقال القادم.

أشار تقرير صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد السعودي في 2013، إلى أن أكثر من 85 في المائة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى اقتصادنا الوطني، تركّزتْ على الصناعات والمجالات المعتمدة بصورة أكبر على مواد اللقيم ذات الأسعار المنخفضة ”النفط المكرر، المنتجات الكيماوية والبتروكيماوية”، عدا الانخفاض الكبير في تكلفة استهلاكها للكهرباء والمياه، بمعنى أنها من أكبر المستفيدين من الفاتورة المكلّفة على كاهل الدولة جرّاء الدعم المعمم على مصادر الطاقة، والتي تجاوزت وفق التقديرات الأخيرة خلال عام 2013 سقف الـ 460 مليار ريال، أي ما تبلغ نسبته 17 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. في جانب آخر، كان لافتا جدا طوال الفترة الأخيرة التي شهدت ارتفاعات قياسية على مستوى التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة (2006-2013)، لم يشهد بموازاتها الاقتصاد الوطني آثاراً مميزة على مستوى توظيف العمالة الوطنية، أو على مستوى زيادة القيمة المضافة للاقتصاد، بل على العكس تماما؛ لقد زادت معدلات استقدام العمالة الوافدة، وتفاقمت بصورة غير مسبوقة أنشطة اقتصاد الظل، إضافة إلى الزيادة المفرطة في مستويات التحويلات السنوية للعمالة الوافدة للخارج، وصلت في بعض الأعوام إلى ضعف أجورها السنوية التي يسجلها الاقتصاد الرسمي، هذا عدا مزاحمتها للاستثمارات الوطنية على قنوات التمويل من البنوك المحلية، التي أثرت بصورة كبيرة على قدرة المنشآت الوطنية في مختلف المجالات، وتحديداً في المجالات التنافسية بينها وبين تلك الاستثمارات القادمة من خارج الحدود، تشير الصورة في الحقيقة إلى أن تلك التدفقات الاستثمارية الأجنبية أخذت أكثر مما قدمت للاقتصاد الوطني وموارده.

استكمل في المقال القادم الحلول الممكنة، بهدف إخراج الاقتصاد الوطني من هذه الورطة الكبيرة، التي تأكد أن التصفيق المفرط التي حظيت به في وقت سابق، لم يتجاوز في حقيقته إلا غفلة أو خطأ فادحا ارتكبا في حق اقتصادنا الوطني، سواء بعلم أو عن جهل. يبقى الأهم في الوقت الراهن؛ كيف ننقذ ما يمكن إنقاذه؟ والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/06/28/article_862055.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.