الاستثمار الأجنبي.. استخلاص الأفضل

يتبين مما تقدم ذكره في المقال السابق المنشور هنا في الاقتصادية “الاستثمارات الأجنبية.. ما لها وما علينا”، أن أجزاء عديدة من الصورة العامة للاستثمار الأجنبي في بلادنا، خاصة من بعد 2006 لم تكن في حقيقتها كما تم الترويج له على أعلى مستويات الحملات الإعلامية والدعائية، التي قد تكون الأكبر تكلفة طوال الفترة 2006-2011 على مستوى الحملات الدعائية محليا، وهي الفترة الزمنية التي تدفق خلالها إلى داخل اقتصادنا الوطني نحو 79 في المائة من إجمالي رصيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يمكن القول عنها أنها أخذت أضعاف ما قدمته لاقتصادنا.

الوضع المالي الجيد جدا الذي يتمتع به اقتصادنا الوطني، يستوجب أنه أتاح لنا مستوى أعلى في سلم المفاوضات مع أي مستثمرين من خارج الحدود، فأنت لست كغيرك من كثير من الدول التي تفتقر لمصادر تمويل، أو تواجه صعوبة بالغة في الحصول على التمويل، بمعنى أننا كاقتصاد يتمتع بفوائض يفوق حجمها حتى إجمالي الناتج المحلي، يفترض واقعٌ كهذا أن يتيح لك فرصة ترتيب أولوياتنا وفق ما تقتضيه مصلحتنا بالدرجة الأولى، ودون إلحاق الضرر بالغير أو بالطرف الآخر! وليس كما هو قائم الآن بكل أسف؛ أننا تجاهلنا حجم الأضرار التي لحقت باقتصادنا دون أن نشعر بها إلا في وقت متأخر، لعل من أكثرها خطورة الاستنزاف الهائل لمواردنا من الطاقة الناضبة، بأبخس الأثمان وأكثر تكلفة على ميزانية الدولة، ثم بيعها على المواطن بأسعار الأسواق العالمية، أو تصديرها إلى الخارج، واستحواذ ذلك المستثمر الأجنبي على الدعم كأحد مكتسباته في هامش أرباحه السنوية، التي سرعان ما يقوم بتحويلها إلى موطنه الأصلي بمباركة من مختلف الأطراف الرسمية!

هذا عدا مزاحمة تلك الاستثمارات الأجنبية للمشروعات الوطنية على مصادر التمويل المحلية، واستقطاعها لحصص من السوق المحلية، لو تم البحث في العديد من أشكالها فلن تجدها بعيدة عن التورط في بعض الممارسات الاحتكارية المجرمة! كل تلك المؤشرات وغيرها مما لم يرد ذكره، تؤكد بالضرورة القصوى أهمية وضع أولويات لأي استثمارات أجنبية تنوي الدخول إلى اقتصادنا، وإلزام أي من تلك الاستثمارات الأجنبية بها إن هي أرادت دخول اقتصادنا الوطني، من أهم تلك الأولويات المقترحة:

أولا: أن تشجع المشروعات الأجنبية التي تمتلك تقنية متقدمة أكثر من غيرها، والتي يرتبط نشاطها بزيادة تنوع القاعدة الإنتاجية المحلية، وإضافة معرفة ذات قيمة إلى اقتصادنا الوطني، وتوفيرها لخيار التعليم والتدريب والتأهيل أمام المواطنين الباحثين عن عمل والمرشحين للعمل في تلك المشروعات. يكون من ضمن تلك المحفزات تيسير قنوات التمويل المحلية بالنسبة لها، واستمرار خفض تكلفة مصادر الطاقة بالنسبة لها لفترة من الزمن، قد تمتد لعشرين عاما.

ثانيا: أية شركات أو مشروعات لا تمتلك أية قيمة مضافة في مجال التقنية والمعلومات والمعرفة، يتاح لها الدخول مع استثنائها من تحفيزات استهلاك الطاقة المحلية بمختلف أشكالها، حينها لن يقبل بهذا الشرط إلا من كان قادرا بالفعل على تنفيذ عقود مشروعاته على أعلى درجات الكفاءة والإنتاجية.

ثالثا: تشجيع منشآت القطاع الخاص المحلية على الدخول في شراكات استراتيجية مع تلك الاستثمارات الأجنبية، خاصة تلك التي تتمتع بمزايا تقنية متقدمة، والتوسع مستقبلا في أشكال أو أنماط الشراكات التجارية والاستثمارية، بحيث تفتح آفاق أخرى للمنشآت المتوسطة والصغيرة، يمكن من خلالها تقديم العون لتلك المنشآت، عبر إتاحة فرص الشراكة أمامها مع كبريات الشركات في مجالاتها.

أعتقد أن تمسك اقتصادنا الوطني بتلك المعايير أو الأولويات وغيرها في الاتجاه ذاته، ستكون نتائجه أكثر أمانا على الاقتصاد والمجتمع على حد سواء، حتى وإن تراجع حجم تدفقات الاستثمار إلى ما دون المستويات الراهنة بكثير. لقد ثبت أن سلبية الأوضاع الراهنة أسوأ بكثير مما كنا نتخيل، وأن أغلب تلك الاستثمارات تقتات وتتكسب باعتمادها الرئيس على المزايا التنافسية التي يتمتع بها اقتصادنا! وإنه خيرٌ لنا أن نبقى دون استثمار أجنبي على أن نضع رقابنا في يد تلك الأنواع من الاستثمارات الأجنبية التي تأخذ أكثر بكثير مما تدفع.

إن وجود أرصدة من ثروات الاقتصاد الوطني خارج الحدود، التي يتحقق لها أدنى معدلات العوائد السنوية، يعتبر في حد ذاته بديلا مناسبا، يمكن من خلاله تعويض أي نقص تمويلي في استغلال الفرص الاستثمارية، سواء من قبل الاستثمار الأجنبي، أو من القطاع الخاص المحلي. هذه التجربة التي لو قدر لها النجاح، أو استمرارها من بعد النصف الثاني للسبعينيات الميلادية، لكان وضع اقتصادنا الوطني اليوم مختلفا بنسبة كبيرة جدا عما هو عليه الآن، ولكانت أغلب التحديات والأزمات التي نواجهها اليوم إن لم تكن كلها في طي النسيان، ولكن.

بقي أن أشير إلى واحد من أهم أسباب تراجع تدفقات تلك الاستثمارات الأجنبية من الخارج، كما أظهرته التقارير الصادرة أخيرا ومنها تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “أونكتاد”، الذي كشف عن تراجعها بنسبة 23.7 في المائة، من 45.9 مليار ريال (12.2 مليار دولار) خلال 2012 إلى 34.9 مليار ريال (9.3 مليار دولار أمريكي)، كان إيجابيا لا سلبيا، كونه نتج عن جهود إيجابية بدأت بتنفيذها الهيئة العامة للاستثمار خلال العامين الأخيرين. حيث بدأت تظهر نتائج تطبيق الهيئة للمعايير الجديدة لإصدار التراخيص للمستثمرين الأجانب الجدد، وإلزام من حصل عليها من المستثمرين السابقين. كان من أبرز ما قامت عليه تلك المعايير الجديدة، إعطاء الأولوية لما ستقدمه أي من الشركات المتقدمة لطلب الترخيص كقيمة مضافة للاقتصاد الوطني، ومساهمتها في تعزيز تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ومدى قدرتها على توفير فرص العمل الملائمة للمواطنين. ونأمل جميعا أن يتحقق المزيد من النجاح لجهودها تجاه تعزيز تنويع القاعدة الإنتاجية، بتركيزها المعلن عن دعم وجود وتوسيع دائرة الصناعات التحويلية لدينا، كصناعة السيارات وقطع الغيار والإطارات والصناعات الكيماوية المتقدمة، والصناعات الدوائية والحيوية وصناعة الخلايا الشمسية ومواد البناء وصناعة ألياف البولي. وهذا ما يتفق معه المعيار الأول المشار إليه أعلاه، ويؤمل أن يستمر تنفيذه والالتزام به، إضافة إلى بقية المعايير المقترحة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/06/30/article_862686.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.