ابحثوا عنهم

إنهم أناس يعيشون بيننا ومعنا، هم منِّا ونحن منهم، منهم الجد والوالد، ومنهم الأخ والأخت، ومنهم القريب والجار. أناس قتلهم التعفف أكثر من الفقر والعوز، أناس أضاء الله وجوههم برجاء رحمته وفرجه القريب، أكثر مما يرجونه من حطام الدنيا عند هذا أو ذاك من بني البشر. ما أجمل قلوبهم وما أعظم كرم أنفسهم؛ لقد وهبت وأعطت غيرها من العدم قبل أن تبلل أياديهم بضع قطرات من المطر، فتحت باب دورها للضيف، استقبلته بأجمل عبارات الترحيب الصادقة، أسقته قهوتها المهيّلة كرماً وحباً، أولمت له ما قد لا تراه في بيوت أعلى وأغنى، وودعته بأزكى البخور والطيب، لا تفارق تلك الوجوه النيّرة ابتسامة النبل الأصيل. إنهم رحمة الله في الأرض، وأحد أجمل رحمات السماء.

منهم الشيخ الجليل؛ يسعى في الأرض مجاهداً على صغاره وأمهم، قد يكون متقاعداً على ما يسره الله من راتب تقاعدي، أو على ما يجود به ضمانه الاجتماعي. منهم الأرملة التي تقوم على أيتامها؛ تقطعت بها وبهم سبل الحياة إلا من أهل الخير والمعروف، وما يأتيها من معونة الدولة. ومنهم الموظف أو العسكري ذو الراتب المحدود؛ شهامته طغت على شخصيته، حتى لكأنك تراه ابن شهبندر التجار من جوده وكرم نفسه، كسر ظهره إيجار منزله، وأقساط دينه الطويل، غير أنك تراه على الدوام مبتسماً عفيفاً، وصاحب التحيات الأولى في شارعه وحيّه ومسجده. ومنهم العاطل الذي فقد عمله أو الساعي في الأرض بحثاً عن فرصة تسد رمقه، ستر وجهه حياء الناس لكيلا يعلموا بحاله وحال من يعولهم، أشقى نفسه بما فاق ما كلفها الله من وسع ويسر. ومنهم آخرون وآخرون لا يعلم بحالهم إلا خالقهم.

هل هناك أجمل منك يا رمضان لنبحث عن أولئك النبلاء؟ هل هناك أجمل من عَشرِك الأواخر لنشارك تلك الوجوه النيّرة بعض ما أنعم الله به علينا من خير ومال؟ هل هناك أعظم من لحظات ربانية تجود بها أيامن أيادينا دون أن تعلم بها شمالها؟ هل هناك أنبل وأصدق عند الله؛ من أن نقف كأسنان المشط الواحد قلوبنا تعاضد بعضها البعض؟ هل هناك أعمق من أخوة إيمانية تتجلى إضاءاتها الروحانية في عطاء المقتدرين هدية وعونا لا يعقبه منُّ ولا أذى إلى من هم بأمسّ الحاجة إليه؟

قد تتطلب جهداً عظيماً يا صاحب العطاء كي تصل إلى تلك القلوب النقية، وقد يصعب عليك أن تكتشفهم أو تتعرف عليهم، وكيف لك أن تصل إليهم وهم خلف جدران بيوتهم صامتون، يغلفون أوجاعهم وآلامهم بحمد الله وشكره على ما أصابهم من ابتلاء. إنها المهمة الأصعب على الباحث عنهم من أهل الخير والجود والمعروف؛ كيف لا وهم لا يقفون على نواصي الشوارع، ولا عند إشارات المرور، ولا عند مداخل المساجد والأسواق. لكن من أراد العمل الصالح الخالص لوجه رب العباد، فإن عليه السعي الدؤوب حتى يجدهم، أو يجد من يدل عليهم من العارفين فعلا بحالهم، وأن يكون في غاية الحذر حينما يصل إليهم، فيمدهم بما قسمه الله لهم من عطاءٍ وصدقةٍ دون أن يمس ذرة من كرامتهم، أنظنه هيناً عند الله جل جلاله، أن يكون أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله “رجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه”؟ إنها الجزء الأعظم والأغلى من تلك الصدقة والمعروف، أن تبرّ بأي من إخوتنا أو أخواتنا المستحقين لمد يد العون، دون أن يشعر أحد من العالمين إلا ربهم الوهاب الكريم.

ليس هناك أفضل من هذه الأيام العطرة بين أيام العام بأكمله؛ لنتعاون جميعاً على تقديم يد العون لمن هم في حاجته، وأن يعين من يعلم “غير المقتدر مادياً” عن أولئك الإخوة والأخوات، ويسهم في إعلام من لا يعلم عنهم من أهل الخير الباحثين عن المستحقين، وألا يتأخر عن القيام بدور الوسيط بين المتصدِّق والمتصدَّق عليه إن تطلّب الأمر ذلك! هكذا يكون استثمار الوقت والمعارف والخبرات. لا يجب أن يشعر أحد من تلك الفئات العفيفة الأنفس، أنها تركت منسية من مجتمعها! الشيخ الجليل، الأرملة، الأيتام، ذوو الحاجة والفاقة، المحتاجون، المديونون، العاطلون ذوو الأسر، المرضى، وكل ذي حاجة من أهلنا ومجتمعنا، بل لا بد أن يكونوا جميعهم حاضرين على الدوام في قلب كل فرد قادر منا، وأن نتواصى بهم، ويذكر بعضنا البعض بهم فيما بيننا دائماً. إنها غاية الرحمة التي أوصانا بها الله جل جلاله، ورسوله الأمين – صلوات الله وسلامه عليه.

ابحثوا عنهم حتى تجدوهم، إنهم كثر! لكنهم ليسوا ظاهرين فيسهل اكتشافهم. ليس غائباً عن القارئ الكريم ما الآثار السلبية التي ترتبت على ارتفاع موجات الغلاء في الأسعار “التضخم”، خاصة فيما يخص إيجارات المساكن وأسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية والسلع الضرورية، إضافة إلى الآثار السلبية الأخرى نتيجة تورط العديد من الأفراد في ديون بنكية طائلة، عدا القروض من الأقارب والأصدقاء والمعارف، وجميعها يستقطع نسبة كبرى من الدخول الشهرية لتلك الفئات! كل تلك التطورات الطارئة؛ أسهمت في زيادة تعقيد الظروف المعيشية بالنسبة للكثير من الأفراد، وألقت بظلالها القاتمة على حياتهم وحياة أسرهم، فإن يأت العون من أهل الخير والعطاء تحت تلك الظروف المعيشية البالغة الصعوبة، سيكون خير فرج بإذن الله تعالى على أي فرد من تلك الفئات المحتاجة.

ابحثوا عنهم حتى تجدوهم، في هذا الشهر وفي غيره من الأشهر! حصنوا أموالكم يا أهل الخير والقدرة بالزكاة والصدقة والعطاء. أعلم تمام العلم؛ أن شريحة واسعة من مجتمعنا الخيّر، ليسوا في حاجة إلى كاتب يذكرهم بما لم يغب عن اهتماماتهم، وأن هذا المقال ليس إلا تذكيراً للقلة من أهل القدرة. فلنستحث الهمم، ويذكر بعضنا بعضا، إنه مجتمعنا الخيّر، يستحق أن نبذل أقصى ما في جهدنا وقدرتنا، لأجل صلابة لُحْمته، وإبقاء صلاته وروابطه قوية متينة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/07/21/article_869181.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.