الحديث المباح في ملفات الإصلاح

إنها الكلمة التي كان أوّل من أطلقها قولاً وفعلاً خادم الحرمين الشريفين – أمدّه الله بالقوة -، فتح عبرها نهجاً جديداً، شقَّتْ أفكاره قنوات جريئة وجديدة في أفلاك الإعلام المحلي. أدرك البعض منّا تلك الرغبة الصادقة في تفعيل الإصلاح قولاً وفعلاً منذ البداية، والبعض الآخر وهم الأكثرية؛ لا يزال يدور حول نفسه حائراً متردداً، وصلتْ به حيرته وضيق أفقه إلى أنْ أصبح يفسّر كل كلمة حق تُطلق في سماء إعلامنا، على أنّها صيحةً وسبب فتنة! هذا لا علاج له إلا أنْ يُترك في وهمه وحيداً، فاق منه أم لم يفق؟ لا يعنينا جميعاً ذلك، فالقافلة التي يقودها ربّانها الوفي ستمضي دون توقّف.

“الحرية تكون في التفكير والنقد الهادف المتزن، والمسؤولية أمانة لا مزايدة فيها ولا مكابرة عليها، فيها – بعد الله – نصون حريتنا، ونحدد معالمها، ونقول للعالم هذه قيمنا وتلك مكارم أخلاقنا التي نستمدها من ديننا. أقول ذلك مؤكداً لكم أنّ الحرية المسؤولة هي حق لكل النفوس الطاهرة المحبة لمكتسبات هذا الوطن الروحية والمادية، ليبقى شامخاً عزيزاً متفوقاً في زمن لا مكان فيه للضعفاء والمترددين.. يشهد الله تعالى أنني ما ترددت يوماً في توجيه النقد الصادق لنفسي إلى حد القسوة المرهقة، كل ذلك خشيةً من أمانة أحملها هي قدري وهي مسؤوليتي أمام الله – جل جلاله -، ولكن رحمته تعالى واسعة، فمنها استمد العزم على رؤية نفسي وأعماقها. تلك النّفس القادرة على توجيه النقد العنيف الهادف قادرة – بإذن الله – أنْ تجعل من ذلك قوة تسقط باطلاً وتعلي حقاً. ولنتذكر جميعا أننا مسؤولون أمام الله ثم أمام شعبنا ووطننا” جزء من كلمة خادم الحرمين الشريفين أمام مجلس الشورى عام 2008.

إنّها طيفٌ من أطيافٍ كثيرة وعديدة، مثّلتْ مجتمعةً رؤية ملهمة لقائدٍ طموحه شقّ طريق المستقبل في شجاعةٍ وحزْم، لا تلين أو تستكين لأي أسبابٍ واهية. حظيَتْ تلك الرؤية بمزيدٍ من الحب والاحترام، ولا تزال كذلك في كلِّ حرفٍ يدوّنه أو ينطقه كل كاتبٍ وكاتبةٍ يحملان في صدريهما الحب والولاء لهذا الوطن. انطلق بناء أسس وقواعد الإصلاح في بلادنا من تلك الرؤية، وترتّب عليها نهج شجاع أزعج كثيراً دعاة الفتنة وشق الصفّ، أكثر مما أزعج القاعدين والمترددين خوفاً من الصدع بكلمة الحق وقول الحقيقة ولا غيرها. وكسبتْ فيه صفوف الإصلاح والبناء والتطوير جولاتٍ عديدة، وكما يلوح في الآفاق القريبة؛ أنّ جولاتٍ قادمة وحاسمة ستصبح في أيادي تلك الصفوف البيضاء، لا تحتاج أكثر من عامل الوقت.

بلادنا – بحمد الله – تزداد قوةً وتماسكاً، على الرغم من زيادة الشدائد من حولنا، سرُّ قوتها بعد توفيق الله وعنايته كامنٌ في قدرتها الداخلية على سرعة التطوّر من جانب، ومن جانبٍ آخر أكثر أهمية؛ انفتاحها الشجاع تجاه إصلاح ما قد يطرأ من أخطاء أو قصور، وتصدّيها للفساد ومن يحمل لواءه. إننا نعيش في زمنٍ خارج دائرة “الجزء المملوء من الكأس، والجزء الفارغ”، هذه مقولة بائدة، قضتْ نحبها في السنين الغابرة! إنّنا في زمنٍ آخر لا يقبل بوجود الضعفاء، إمّا أنْ تواجه تحديات محيطك بكل شجاعة بقدر ما وهبك الله من إمكاناتٍ وقدرات، أو أنّك ستُسحق غير مأسوفٍ عليك.

ما الجديد في كل ما تقدّم؟ أقول؛ لا جديد إلا أنّه أتى ذكره للتأكيد على ثلاثة محاور رئيسة، رأيتُ أنّه من الضرورة بمكانٍ التذكير بها، فما تلك المحاور؟

المحور الأول: أنّ مشروع التصدّي للفساد بأشكاله كافة، وطرْح الأفكار الإصلاحية، مشروعٌ مُهدتْ لأجله السبل كافّة! ويوماً بعد يوم يُلمس اتساع آفاقه، وارتفاع سقوفه، وهو أمرٌ مقبولٌ في حياة الشعوب، ومقترنٌ بزيادة الوعي والتعليم والشعور بالمسؤولية، قبل الحرّية المنفلتة! فما كان ممنوعاً قبل أعوام، أصبح محموداً في الوقت الراهن، وما يُعتقد أنّه ممنوع اليوم، قد تراه في الغد القريب بعد إحكامه وضبطه مشروعاً ومقبولاً. لهذا؛ على من أراد ممارسة حقّه المشروع في هذا الاتجاه، والمشاركة في جهود الإصلاح ومحاربة أية مخاطر تهدد وطننا ومجتمعنا، أنْ يلتزم بتلك القواعد والمحددات المتحركة ديناميكياً مع الزمن، التي أخذتْ في عين الاعتبار المحافظة على مكتسبات البلاد والعباد قبل أيّ اعتبارٍ آخر، ومن ثم فهي ترحّب بكل ما يلي تلك الاعتبارات توافقاً معها لا تصادماً. فالتذكير هنا؛ هو منصبٌ بالدرجة الأولى على أهمية ممارسة العملية الإصلاحية بما لا ينتج عنه خروج “مُجرّم” عن الهدف الرئيس من الإصلاح، فلا يعقل أنْ يهدم مجتمع ما جزءاً كبيراً من كيانه لأجل ما أقل وأدنى، وإن بدا ذلك الجزء في نظر الفرد أنّه خلاف تلك الصورة، فالرأي والقرار أولاً وآخراً، هو للأغلبية من المجتمع، وهذا من أوّل ما يجب أنْ يحظى بالتقدير والاحترام والقبول التام.

المحور الثاني: أنّ مشروع الإصلاح والتصدّي للفساد بأشكاله كافة، مشروعٌ وطني قائمٌ لا يستطيع كائناً من كان أنْ يمنع أيّ فردٍ من أفراد مجتمعنا عن حق المشاركة فيه، طالما أنّ هذا الفرد قد التزم بكل ما أوردته في المحور السابق، فلا يوجد أيّ عائقٍ يعيق المواطن أو المواطنة عن ممارسة حقّه المشروع في بناء وتطوير وطنه ومقدراته، وفق ما ذكر من شروطٍ وضوابط تأخذ في عين الاعتبار المحافظة على المصلحة العامّة قبل الخاصّة.

المحور الثالث: أنّ مشروع الإصلاح والتصدّي للفساد بأشكاله كافة، يظل أحد أهم وأقوى أسلحة التصدّي لأي مخاطر مهما كان مصدرها داخلياً أم خارجياً، لعل أوّل فوائده العظيمة، أنّه يسهم بكل فاعلية في دعم حصانة المجتمع من أيّة محاولات للاختراق أو شق الصفوف. أنّه في الدرجة الثانية؛ يسهم في القضاء على أية مخاطر قد تنشأ عن تفشّي الفساد، الذي ما استشرى في أي مجتمعٍ كان إلا وقتله حتى قبل أنْ يواجه عدوّه الخارجي. وطبعاً هذا يخالف تماماً وجهة نظر القاعدين أو المتأخرين الخاضعين لنظرتهم الرومانسية، التي تميل دوماً للنظر إلى الجزء المملوء من الكأس حسبما تردده كثيراً، مثل هذه الفئة التي لم تجرّب عملاً نقدياً مع نفسها أو حتى تخشاه، لن تصمد أمام مثل تلك المخاطر أكثر من وقت شرب ذلك الجزء المملوء من كأسها الحالم.

باختصارٍ شديد؛ مشروع الإصلاح في بلادنا إنجازٌ قائم، لا تعني محاولة القفز عليه من قبل البعض نفياً لوجوده، ولا يعني أيضاً تأخّر البعض الآخر عنه نقصاً فيه، وأنّه لا يعني سوى تقاطع كلاً من الأول والثاني عند نقطة “الجهل”. حفظ الله بلادنا وقادتها وأهلها من كل أذى ومكروه، وسدد خطواتها وأحلامها على طريق التقدّم والخير ونفع أبنائها والبشرية قاطبة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/07/09/article_865596.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.