استقلالية القطاع الخاص عن الإنفاق الحكومي

يُعقد مستقبل نمو الاقتصاد الوطني على القطاع الخاص في الكثير من جوانب التنمية المستدامة، في مقدمتها مساهمته في النمو الاقتصادي وتوظيف المواطنين والمواطنات، وعلى الرغم من استحواذه وفقاً للأرقام الرسمية على نصف حجم الاقتصاد الوطني، إلا أن مساهمته في النمو الاقتصادي لا تزال يستمد أغلبها من الإنفاق الحكومي، وهو ما لا يعد مصدر استقرار دائم لمنشآت القطاع الخاص، كما لا يمكن إغفال دور الدعم الحكومي ممثلاً في محفزات مصادر الطاقة بالنسبة لتلك المنشآت على أحجامها وأوزانها المختلفة.

أظهر القطاع الخاص نمواً أفضل من معدل النمو الكلي للاقتصاد خلال العام الأخير 2013، بلغ 5.4 في المائة مقارنة بمعدل نموه السابق الأعلى 5.8 في المائة، وفي العام نفسه سجلت الصادرات غير النفطية التي يأتي أغلبها من القطاع الخاص معدل نمو أدنى من المسجل في العام السابق، حيث تراجع من 8.1 في المائة خلال 2012 إلى نحو 6.1 في المائة بنهاية 2013، ورغم كل ذلك لم تتراجع نسبته إلى حجم الاقتصاد الوطني، ولم يتأثر كثيراً نتيجة تراجع صادراته للخارج، ما يشير إلى اعتماده بصورة أكبر على الطلب الاستهلاكي المحلي، وبصورة أكثر تحديداً على استمرار الإنفاق الحكومي السخي بمستوياته القياسية الراهنة، التي فاقت خلال عام 2013 مستوى 976.0 مليار ريال (نحو 35.2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي)، والأهم في تلك النفقات بكل تأكيد هو استمرار ارتفاع النفقات الرأسمالية الحكومية، التي ناهزت بنهاية 2013 مستوى 312 مليار ريال، أي ما يشكل ثلث الإنفاق الحكومي، والذي يمثل في أغلبه عقوداً حكومية مع منشآت القطاع الخاص.

هذا الجانب الأهم في مسيرة عمل ونشاط القطاع الخاص طوال العقود الأربعة الماضية، ليس مبالغة إن تم القول عنه وفقاً لما تظهره البيانات الرسمية: إنه ظل أسيراً للإنفاق الحكومي، وإنه لم يحقق المستوى المأمول منه على طريق تنويع قاعدته الإنتاجية، على الرغم من كل التسهيلات الحكومية التي حظي بها، سواء عبر قروض صناديق التنمية التي فاقت 0.5 تريليون ريال طوال عمر خطط التنمية السابقة، أو عبر تذليل العديد من العقبات التي قد تواجه أي قطاع خاص في اقتصاد نامٍ كاقتصادنا، أو حتى عبر التكلفة المتدنية لتمويله من القطاع المالي، وقبلها من مصادر الطاقة المحلية. في المقابل ستجد أن مساهمته الحقيقية التي يفترض الاعتماد عليها عبر توظيفه للعمالة الوطنية، أو في قدرته على تلبية احتياجات الطلب الاستهلاكي المحلي، لا تزال دون المستوى المأمول منه بدرجات كبيرة جداً، حيث لا تتعدّى مساهمته في توظيف العمالة الوطنية سقف الـ 15 في المائة من إجمالي العمالة المشتغلة في منشآته المختلفة، وفي الوقت ذاته لم يستطع تجاوز 20 في المائة من تلبية الطلب الاستهلاكي المحلي، معوّضاً تأخّره عن الإسراع في تنويع قاعدته الإنتاجية عن طريق الاستيراد من الخارج والبيع في الأسواق المحلية، وهو ما تؤكده معدلات نمو الواردات المتصاعدة، حتى وصلت الواردات بنهاية العام الماضي إلى نحو 631 مليار ريال، والتي تفسر كثيراً زيادة اعتماد منشآت القطاع الخاص على العمالة الوافدة المتدنية المهارات والأجور، في الوقت ذاته لا تجد فرصاً للعمل تناسب مخرجات التعليم من المواطنين والمواطنات من ذوي الشهادات الثانوية والدبلوم والتعليم الجامعي، والذين يشكلون الحصة الأكبر في رصيد العاطلين عن العمل، ما رفع معدل البطالة بين السعوديين حتى نهاية العام 2013 إلى أكثر من 19.2 في المائة، واضعاً إياها في المرتبة العاشرة على مستوى العالم من حيث معدلات البطالة.

لعل كل هذه التحديات تؤخذ بعين الاعتبار ونحن في طور رسم خطة التنمية العاشرة، والتي تتطلب بذل جهود أكبر وأعمق على طريق الدفع بالقطاع الخاص السعودي نحو مواقع أكثر تنافسية، سواء على الجانب المحلي، أو على مستوى الدولي، وأن يتم تحفيزه بصورة أكبر مما سبق بأدوات أخرى تضاف إلى التمويل، وأن ترسم له منهجية تأخذ بعين الاعتبار زيادة قدرته على إحلال الواردات من جانب، ومن جانب آخر عبر عقد الشراكات مع كبرى الشركات العالمية التي تتمتع بالتقنية المتقدمة، التي ستسهم دون شك في خلق فرص عمل تستوعب مخرجات التعليم من المواطنين والمواطنات، وبدورها ستسهم في نهاية الأمر في زيادة تنوع قاعدة الإنتاج المحلية، وأثره الكبير على دعم استقرار الأداء الاقتصادي الكلي. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/07/09/article_865541.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.