طاحونة التضخم والأجهزة الاقتصادية

اتسمت مواجهة الفرد محليا بموجات تصاعد الأسعار “التضخم”، وتحت الجمود الذي تعانيه مختلف السياسات الاقتصادية، وفي مقدمتها السياسة النقدية شبه المشلولة نظير ارتباط سعر صرف الريال بالدولار الأمريكي، أؤكد أنها اتسمت بتحمله الكثير من أوجه المعاناة المعيشية المكلفة جدا، وأثقلت كاهله ماديا إلى درجة بعيدة لم تنفع معها حتى الزيادات الطفيفة في مستوى الأجور الشهرية، التي سرعان ما التهمتها الزيادات المضاعفة للتجار على السلع والخدمات في الأسواق المحلية.

أصبح معتادا لدى الأجهزة الاقتصادية والمالية لدينا “تحديدا وزارة المالية، مؤسسة النقد”، أن يتلقى الفرد وحده فقط أو معه أسرته صدمات تراجع القوة الشرائية للريال، في المقابل لا تكل ولا تمل كل من وزارة المالية ومؤسسة النقد من التبرير، أن هذا الارتباط الأزلي بين الريال والدولار، أدى ويؤدي إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي! نعم قد يؤدي إلى استقرار ظروف عمل كل من هاتين الجهتين “المالية، ومؤسسة النقد”، فلا يستدعي أن تقوما بأي جهد يذكر للدفاع عن مصالح الاقتصاد والمجتمع، ولا حتى بدفع أي أضرار قد تكلفنا خسائر فادحة، رأس مالها بالنسبة لهذين الجهازين هنا؛ أن تبقي الأوضاع على ما هي عليه، دون أخذ أي تغيرات تطرأ على الواقع المحلي أو الخارجي في الاعتبار!

طبعا لا مجال للحديث عن فك ارتباط الريال بالدولار الأمريكي، ولم نعد نستوعب ردود المسؤولين في وزارة المالية ومؤسسة النقد، أنهم لا يفكرون أبداً في فك الارتباط! ومن ثم فهذا قرار مستبعد من قبلهم. اللافت في الأمر هنا أن “الارتباط بسعر ثابت مع عملة عالمية كالدولار الأمريكي” أمر مفروغ منه مسبقا، ذلك أن اقتصادنا لا يمتلك تنوعا في قاعدته الإنتاجية المحلية، فليس لديه سوى النفط الذي يصدره إلى الأسواق العالمية بالدولار الأمريكي. إذا الأمر محسوم مسبقا أيها السادة في كل من وزارة المالية ومؤسسة النقد، فلا داعي لأن تتجاهلوا السؤال الآخر والأهم حينما يوجه إليكم دائما: نحن على اتفاق تام بضرورة ارتباط الريال بالدولار، وأن الاقتصاد الوطني الذي دائما ما تقولون إنه نجح في تحقيق التنوع الإنتاجي طوال أربعة عقود مضت، لم يصل إلى درجة الأهلية لتكون عملته محررة في أسواق الصرف. درجة الأهلية التي سبق أن أفصح عنها وزير التخطيط؛ أن تتجاوز مساهمة الصناعات التحويلية في الاقتصاد 90 في المائة! علما بأنها لم تتجاوز حتى نهاية العام في أحسن أحوالها سقف 12 في المائة. فما السؤال الآخر الأكثر أهمية عمّا سواه من الأسئلة؟

السؤال والنقاش هنا ليس أبدا حول فك الارتباط مع الدولار! إنما هو حول “سعر هذا الارتباط” الذي تم تثبيته عند 3.75 ريال/ دولار أمريكي منذ عام 1986. أليس من الأجدى العمل على تغييره، قياسا على التغيرات الاقتصادية والمالية الهائلة التي جرت طوال أكثر من 28 عاما مضت؟ إن وزارة المالية ومؤسسة النقد تدركان تمام الإدراك أن القوة الشرائية للريال في الوقت الراهن فقدت نحو 55 في المائة من تلك القوة، وهو ما نشهده جميعا اليوم من ارتفاع تكلفة المعيشة على الأفراد محلياً، وأن الأدوات أو المسكنات الأخرى التي تتخذ من وقت لآخر، من زيادات طفيفة لمستويات الأجور، ومن إعفاءات متقطعة للرسوم الحكومية، إضافة إلى استمرار الدعم الحكومي بطريقته المعممة الآن، كل تلك الأدوات لم تجد نفعا مع الظروف المعيشية المرهقة التي يكابدها الفرد وأسرته.

تمكن ارتفاع تكلفة الواردات التي يعتمد عليها كثيرا في الاستهلاك المحلي من خفض القوة الشرائية للريال السعودي بنحو 31.2 في المائة، حدث كل ذلك فقط خلال الفترة 2001 ــ 2013، وهو ما أظهرته مقارنة أسعار الريال السعودي مقابل بعض العملات الرئيسة “اليورو، الجنيه الاسترليني، الين الياباني، الفرنك السويسري، اليوان الصيني، الدولار الأسترالي، الروبية الهندية، الوان الكوري، الريال البرازيلي”، وبناء على حجم الواردات إلى اقتصادنا من دول تلك العملات المختلفة، إضافة إلى الاقتصاد الأمريكي “تشكّل 67 في المائة من إجمالي قيمة الواردات”. بقية التآكل في قوة الريال نتج عن عوامل داخلية، أتت بالدرجة الأولى من ارتفاع أسعار العقارات والأراضي، التي تدخل ضمن أهم بنود تكلفة تشغيل المنشآت العاملة في البلاد، أعقبها بطبيعة الحال ارتفاع أكبر في أسعار الخدمات والسلع المنتجة أو المستوردة من خارج البلاد والمباعة محليا، فالتاجر أو مالك العقار وملاك الأراضي لن يجدوا عناء في “تسوية” أي انخفاضٍ يطرأ على القوة الشرائية للريال، وذلك عن طريق نقلها فوراً للمستفيد النهائي “الأفراد”، ولو بحثت في جميع قنوات الأنشطة الاقتصادية والتجارية والمالية محلياً، ستجد أن المنطقة الأخيرة التي سيتم “تسوية” أي تراجع في القوة الشرائية للريال هي تلك الواقعة بأيدي الأفراد!

إن بقاء الأوضاع على ما هي عليه الآن وفق سعر الارتباط الراهن للريال مع الدولار الأمريكي يحمل في طيّاته “تكلفة”، وكذلك تعديل ذلك السعر سواءً بالرفع أو الخفض؛ سينتج عنه “تكلفة”، والحديث هنا قياسا على الأوضاع الراهنة متركز على خفض سعر الدولار الأمريكي أمام الريال السعودي، كأن يتم امتصاص بعض تآكل القوة الشرائية للريال عبر خفض سعر الدولار من 3.75 ريال إلى 3.0 ريالات مقابل الدولار “نسبة انخفاض بـ 20 في المائة”، وإن تطلب الأمر لاحقا يخفض إلى 2.5 ريال للدولار “نسبة انخفاض بـ 33.3 في المائة”. الإجراء الأخير وحده فقط يعني رفع القوة الشرائية للريال بأكثر من الثلث، كما يعني زيادة للأجور الحقيقية للأفراد، وأن ينعكس ذلك على العقارات والأراضي وقيم الأصول المثمنة بالريال بالنسبة نفسها أو أكثر، وهي مميزات ستغطي أية تكاليف قد تترتب عليها، علما بأنه في جميع الأحوال سيكون هناك تكلفة لأي خيار يتم اختياره كما أسلفت أعلاه، غير أنه هذه المرة لن يكون الفرد وحده الذي يتحمّل تكلفة بقاء الأوضاع على ما هي عليه.

الأمر المهم هنا، أن يتم اتخاذ هذا الإجراء ضمن حزمة أكبر من التغييرات الواجب إجراؤها على السياسات الاقتصادية، كأن يعاد النظر بجدية في سياسات الدعم الحكومي المعممة، التي يستفيد منها أكثر من غيرهم من هم ليسوا مستهدفين بها، فيما يأتي الأفراد من الطبقة المتوسطة وما دونها في آخر سلم المستفيدين منها. إنني آمل أن نجد استجابة مسؤولة وعاجلة من مسؤولي الجهاز الاقتصادي والمالي لدينا تجاه هذه التحديات الكبيرة، وأنْ يتم إعادة النظر في جدوى السياسات الاقتصادية الراهنة، التي يتضمن تعديلها بما يتوافق مع متطلباتنا التنموية اليوم؛ إيجاد الكثير من الحلول الممكنة للعديد إن لم يكن لكل التحديات والتشوهات التي يعانيها اقتصادنا الوطني والمجتمع على حد سواء. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/07/12/article_866429.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.