كيف سنكون بعد عقدين من الزمن؟

عُد معي إلى الوراء "عقدين" من الزمن، تحديداً عند 1994؛ كيف كان اقتصادنا الوطني؟ وكيف كانتْ تحدياته الاقتصادية والتنموية آنذاك؟ ثم قارنها بوضعه في العام الجاري، وحاول أنْ تتبيّن ماذا جرى من تغيراتٍ وتطوراتٍ، وماذا طرأ على تحديات الاقتصاد الوطني، خاصةً تلك التي تُشكّل الوزن الأكبر في سلّة التحديات التنموية بالنسبة للمواطن كالإسكان والعمل والصحة والتعليم والخدمات البلدية والدخل الحقيقي والمديونية والفقر، مع عدم إغفال مؤشرات الأداء الاقتصادي الكلي، ومدى تأثرها بالعديد من العوامل الداخلية والخارجية، على مستوى كل من: النمو الاقتصادي، تنوّع القاعدة الإنتاجية، نمو القطاع الخاص، التضخم، البطالة، المالية العامّة والدين الحكومي، الفوائض المالية، التجارة الخارجية، بيئة الاستثمار المحلية، أسواق العمل ورأس المال والنقد والتجارة، استهلاك الطاقة. إنْ أردته مشروع دراسة وبحث، سيكون بالغ الأهمية بالنسبة للمختصين وطلاب الاقتصاد والمال! وإنْ أردته موضوعاً عامّاً، سيكون مادةً دسمة ومفيدة للإعلام والمجتمع! وفي كل الحالات؛ سينتج عنه الكثير من الرؤى والنتائج والتقييمات، التي يؤمل معها أنْ تُنير لنا البصيرة النافذة، بما يؤهل إلى تقييم الوضع الراهن لاقتصادنا الوطني، واكتشاف ما تمكنّا من إنجازه، وأيضاً ما تأخرنا في تحقيقه، والتعرّف على أسباب كلٍّ من الجانبين، وتوظيف خلاصة "معرفتنا" كركائز أساسية لمواجهة التحديات القادمة مستقبلاً.

لن استطرد كثيراً في سرد أرقام وإحصاءات ومؤشرات أداء الاقتصاد الوطني خلال الفترة أعلاه، ليس لأن مساحة المقال لا تسمح بذلك فقط، بل لكي لا تشوّش على القارئ الكريم الفكرة المراد إيصالها إليه، مكتفياً بذكر ما يتطلبه الأمر في حدوده القصوى، وحسب أهميته. إجمالاً خلال الفترة؛ تضاعف حجم الاقتصاد الوطني بالقيمة الاسمية 5.6 مرة "بالقيمة الحقيقية 2.3 مرة"، وتضاعف القطاع الخاص 4.8 مرة "بالقيمة الحقيقية 3.5 مرة"، في حين تضاعف القطاع النفطي 7.8 مرة "بالقيمة الحقيقية 1.3 مرة". بالنسبة لسوق العمل وصل إجمالي عدد العمالة إلى 11.2 مليون عامل "2.6 مليون عامل سعودي، 8.54 عامل وافد"، فيما لا تتوافر إحصاءات دقيقة عنه في عام 1994 "ما زال البحث جارياً عنها"، المهم هنا أنّ معدل البطالة "المتحفّظ" بناءً على أحدث بيانات العاطلين عن العمل، بلغ بنهاية 2013 نحو 19.2 في المائة "المرتبة العاشرة عالمياً". فيما تبيّن التطورات الأخرى التي تغيب عنها الإحصاءات الدقيقة كالإسكان، أنّ حاجة المواطنين تنامتْ بصورةٍ كبيرة خلال الفترة، وواجهتْ تحدياتٍ جسيمة تحوّلتْ معها القضية إلى واحدةٍ من أكبر الأزمات التي يواجهها الاقتصاد والمجتمع في الوقت الراهن، ويُنتظر نتائج ما ستسفر عنه جهود وزارة الإسكان حديثة النشأة مقارنةً بعمر وحجم الأزمة الإسكانية. بالنسبة للرعاية الصحية، تبيّن أبرز المؤشرات المقارنة عالمياً للقطاع وفقاً لبيانات البنك الدولي، أنّ نصيب الفرد من الإنفاق على الرعاية الصحية ”بالأسعار الجارية للدولار الأمريكي” بلغ 2841 ريالا للفرد (757.7 دولار أمريكي)، محتلاً بهذا المرتبة 54 عالمياً، وأنّ المملكة بإجمالي إنفاقها الصحي احتلّت المرتبة 34 عالمياً ”في الإنفاق الحكومي المرتبة 31، والقطاع الخاص المرتبة 37”. فيما يوجد طبيب واحد و2.2 سرير لكل ألف شخص ”المرتبة 91 عالمياً لكلا المؤشرين”.

يجدر القول هنا أنّ التفاصيل في هذا الخصوص أكبر بكثيرٍ مما تم استعراضه على عجلٍ أعلاه، وما ذُكر ليس إلا مقتطفاتٍ سريعة، إذ لا بد من القيام بدراسة المرحلة الماضية بالكثير من التأنّي والتدقيق. الشاهد هنا، أنّ التحديات التنموية تعاظمتْ حجماً ونوعاً، وأنّ آليات وسياسات استغلال الفرص والموارد المتاحة لم تتحسّن بالوتيرة الكافية واللازمة، وإلا لما وجدنا العديد من التحديات القائمة اليوم قد تحوّلتْ إلى ما يشبه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، ما يعني بالضرورة وجوب إعادة النظر بصورةٍ عميقة وجذرية في السياسات الاقتصادية الراهنة، والتي لم يجرِ عليها تحسينات أو تغييرات لا أقول مبالغةً إنّها لا تكاد تُذكر، بل على أقل تقديرٍ أنّها لم تنجح في الحدِّ من تفاقم ما نواجهه من أزماتٍ حادّة على مختلف المستويات؛ إسكان، فرص عمل، تحسّن الظروف المعيشية للأسر، البنى التحتية والخدمات البلدية والنقل، إلى آخر المحاور المُشكلة لعصب حياة المجتمع والأفراد.

لماذا كل هذا النقاش والبحث حول ما تمّ من تطوراتٍ مضتْ أعوامها وانقضت؟ لتحصل على إجابةٍ تروي عطش المعرفة لديك، دعنا نطرح السؤال التالي: هل يستطيع أيّ منّا أنْ يستقرأ سيناريوهات العقدين المقبلين، وصولاً إلى عام 2034؟ إنّ مَن عاصر فترة العقدين الماضيين يشعر وكأنّها لحظاتٍ مرّت، فلا تظنّ أن محاولة استقراء مستقبل عقدين قادمين بعيدة أو طويلة الأفق! إنّها بالكاد تُذكر في عمر المجتمعات والشعوب. هل سيكون من السلامة والأمان الاستمرار بهذه الأنماط الإدارية والإجرائية وحتى الاجتماعية القائمة اليوم؟ هل سيكون مجدياً بالنسبة لنا استمرار العمل وفي المنهجيات والسياسات الاقتصادية القائمة اليوم؟ إنّها مئات الأسئلة الواجب طرحها في هذا الوقت الراهن، والواجب أن نسعى جميعاً بكل ما أوتينا من قوةٍ وعزم وموارد بشرية ومالية للإجابة عنها بما يقتضيه حجم ووزن تلك التحديات. هل كل ذلك في الإمكان تحقيقه دون وجود رؤيةٍ شاملة لمستقبلنا؟

مَن يجيب بنعم؛ عليه أن يقول لنا كيف سيكون ذلك! ومن يقول كالكاتب "لا" فإنّه يلح على ضرورة إيجاد تلك الرؤية الشاملة لمستقبلنا. أكرر التذكير والتأكيد على ضرورة ولادة تلك الرؤية، مبيّناً أنّ عملها المقترح لا بد أن ينطلق من تحت مظلة ”المجلس الاقتصادي الأعلى” بناءً على ثلاث ركائز رئيسة، هي كالتالي: الركيزة الأولى- رسْم رؤية شاملة لمستقبل الاقتصاد الوطني بالاعتماد على ”فريق استشاري مؤهل مستقل”. الركيزة الثانية: رسْم السياسات الاقتصادية، التي تلتزم تماماً بالمحاور التفصيلية للرؤية الشاملة أعلاه، وتنفيذها وفق برامج أداء سنوية ”الأجهزة الحكومية المعنيّة”. الركيزة الثالثة: متابعة الأداء والتنفيذ، والرقابة، والمحاسبة، وإعداد التقارير الدورية ”نصف سنوية، سنوية”، ورفعها من قبل ”فريق رقابي مستقل” إلى مقام رئيس المجلس الاقتصادي الأعلى. وللحديث متابعة.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/21/article_842745.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.