أداء الوزير وتوقعات المواطن

يخضع كل جهاز حكومي لمسؤوليات ومهام نصَّ عليها النظام الذي بموجبه تم تأسيسه، ويُعيّن على رأس هرمه المسؤول الأول "وزير، مرتبة ممتازة"، يكون هو المعني قبل غيره بالوفاء وتحقيق تلك المسؤوليات والمهام، إضافةً إلى معالجة أي مستجدات قد تطرأ من وقتٍ لآخر تتعلق بعمل الجهاز الذي يتولّى قيادته. في المقابل يقف المواطن والمجتمع متجاذباً ومتأثراً مع كل ما يصدر من تلك الأجهزة الحكومية على اختلاف تخصصاتها ومجالات أعمالها، تتحرك حساسية العلاقة بين الطرفين "الجهاز الحكومي، المواطن" صعوداً وهبوطاً حسب درجة الارتباط والتأثير، تميل إلى الصعود كلما لامستْ مسؤوليات ومهام أيّ من تلك الأجهزة الاحتياجات الأساسية للمجتمع، كالصحة والإسكان والعمل والتعليم والخدمات البلدية والنقل والمواصلات والتجارة والمالية، فيما تخف قليلاً بالنسبة للأجهزة التي لا تكون علاقتها مباشرة مع المجتمع، إلا أنّها في المحصلة النهائية تدخل ضمن اهتمامات ومتابعة أفراد المجتمع كل حسب علاقته ومجال تخصصه.

كثير من المواطنين ليس معنياً بالكثير من تلك التفاصيل، ولا يُراد له على المستوى النظري أنْ يكون كذلك، بقدر ما أنّه يهتم بدرجةٍ أكبر من أيّ اعتبارٍ آخر بمستوى ونوعية الخدمة المقدّمة له من أيٍّ من تلك الأجهزة، ففي حال تعرّض المواطن أو فردٍ من أسرته -لا قدّر الله- لأي عارضٍ صحي، فإنّه يطمح إلى توافر الرعاية الصحيّة الكافية واللازمة لدرء ومعالجة ذلك العارض، وكذا الحال بالنسبة لبقية احتياجاته ومتطلبات معيشته من سكنٍ وتعليم وعمل ونقلٍ وخدماتٍ بلدية وتسوّق… إلخ. وعليه؛ إذا تحقق الوفاء بتلك المتطلبات المعيشية ستجد وتيرة حياة المجتمع تسير دون ضوضاء أو تذمّرٍ من أي طرفٍ، أحياناً كثيرة إذا لمس تحسّناً مطرداً في أداء أيّ من تلك المجالات عاماً بعد عام، ستجد المواطن يعبّر عن ذلك الرضا في أيّ فرصةٍ للحديث عنها، وترتسم على محياه تعابير الامتنان والراحة والهدوء. أمّا إنْ لمس تأخيراً أو تعطيلاً أو عدم تلبية احتياجاته المعيشية، فإنّه سيعبّر عن تذمره وسخطه، وقد تتحول تلك الحالة الفردية إنْ تكررتْ على غيره من بقية الأفراد، أقول ستتحوّل حالة التعبير الفردية إلى حالةٍ عامّة من التذمّر وعدم الرضا، يزيد من وقعها وانتشارها الراهن، زيادة وتعدد وسائل الاتصال الاجتماعية المعاصرة "تويتر"، "فيسبوك"، "واتس أب"… إلخ.

هذا بدوره خلق نمطاً جديداً من العلاقة بين المسؤول والمواطن، أخضع الطرف الأول إضافة إلى ما يقع على عاتقه من مسؤوليات ومهام واجبة الأداء، أؤكد أخضعه إلى التزام ومسؤوليةٍ أخرى أكثر حساسية تجاه المواطن "الطرف الثاني"، الذي أصبح يمتلك أدواتٍ أقوى من السابق، تتيح له قدرة أكبر على التعبير عن تقييمه لأداء ذلك المسؤول أو الجهاز الذي يتولّى مهام إدارته، بل لقد وصل الحال في كثيرٍ من القضايا والمعضلات التي يواجهها المواطن، أنّ العديد من تلك القضايا تمّ حلّه عبر تلك الأدوات الحديثة للاتصال، والشواهد على ذلك كثيرة لا يحتاج الكاتب إلى أن يسردها على القارئ الكريم.

الشاهد في كل ما أسلفتُ، أنّ أداء المسؤول أو الوزير أصبح مكشوفاً تماماً على جبهةٍ تتوافر لديها أدوات جديدة لم تكن موجودة في السابق إلا عبر الإعلام التقليدي، هذه الجبهة الجديدة هي "المواطن"، ممثلةً في توقعاته أو تطلعاته أو حتى رأيه وتقييمه لعمل ذلك الوزير أو سواه، على أننا كمجتمع حديث العهد بتلك التطورات، إلا أنّ وتيرتها المتسارعة تفوق الوصف، وتفوق القدرة حتى على إمكانية التقاط أهم معالمها ومؤشراتها ورصدها، كأننا أمام سيلٍ منهمر ما يعني أننا لا نزال في طورها الصاعد، تتجه بنا إلى إكمال ثقافةٍ جديدة تماماً، لا شكّ أنها ستترك آثاراً بالغة العمق في أغلب جوانب حياتنا، إنْ لم تكن جميعها. هذا بدوره أحدث صدماتٍ حضارية متفاوتة الأثر على مختلف الأطراف، سواء مسؤولو تلك الأجهزة الحكومية، أو أفراد المجتمع كلٌ حسب ثقافته ومستوى تحصيله العلمي، أو المختصّين في الشأن العام كلٌ حسب موقعه ومجال تخصصه، تموضعتْ كل ردود الفعل تلك بين حدّي القبول والرفض وما بينهما من مسافة. خلاصة القول هنا، أنّ الحراك ماضٍ نحو الأمام، ولا سبيل على الإطلاق إلى عودته إلى الخلف أو حتى إيقافه، إلا بانتفاء تلك الأدوات المعاصرة التي دفعتْ به إلى صورته الراهنة، وستدفع به إلى آفاقٍ مستقبلية تفوق الوصف بمعايير اليوم.

أمام هذا التحدّي التنموي الإيجابي ممثلاً في صوت وعين المواطن، سيجد الوزير أو المسؤول أنّه أمام خيارين لا ثالث لهما لتجاوز هذا المحك، الخيار الأول: أن يقوم على تأدية مسؤوليات ومهام جهازه أو وزارته على نحوٍ جاد ودءوب بكل إخلاص وتفانٍ، والمبادرة الدائمة نحو معالجة وتلبية أية مستجدات قد تطرأ على صعيد عمل جهازه الحكومي، وأنْ تكون تلك الثقافة السائدة لدى كل من ينتسب إلى جهازه من العاملين والعاملات، ولا أظنّ هذا الخيار يتجاوز بأي حالٍ من الأحوال حدود المبالغة، بقدر ما أنّه الوفاء اللازم لأمانة المنصب والوظيفة التي يتقاضى عليها أجره، سواءً كان ذلك وزيراً أو موظفاً مهما تدنتْ مرتبته الوظيفية. الخيار الثاني: أنْ يوفي المسؤول بكامل اشتراطات الخيار الأول، فإذا وجد أنّ الإطار النظامي لمسؤوليات ومهام عمل جهازه قد تقادمتْ عليه السنين، ووجد أنّه على الرغم من وفائه بكل ما لديه من مهام ومتطلبات لم يلبِّ احتياجات وتطلعات المجتمع، فإنّ عليه العمل نحو تحديث وتطوير ذلك النظام، والرفع بمقترحاته إلى ولي الأمر -أيّده الله- للموافقة على إنفاذها، واستكمال العمل والجهد بناءً عليها, هما الخياران اللذان يتوافقان مع متطلبات المرحلة الراهنة، وأي محاولة للفرار منهما لا ينتج عنها سوى الفشل، وزيادة وتيرة الانتقادات الحقيقية من لدن المواطن والمجتمع على حدٍّ سواء، ولن تُفلح معها أية مساعٍ للتلطيف أو التمويه الإعلامي، ذلك أنّ مستوى الوعي والمسؤولية لدى المجتمع قد تجاوز كل تلك المحاولات. يُدرك ذلك من يدركه أو لا يدركه من قبل الأطراف كافّة، ليس هذا هو المعيار هنا، فمن سيتجاهل معطيات المرحلة الراهنة لن يُمنح الوقت الكافي لأجل ذلك، فسنّة الحياة أنّ العصر سيتجاوزه دون أي اعتبار، في حين يبقى الاعتبار الأهم والأثقل وزناً هنا، أنّ البقاء سيحظى به من أبدى أعلى درجات الاستجابة والتكيّف الذكي مع اللغة الجديدة والسائدة لعصره الراهن.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/19/article_842323.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.