أزمة العقار.. توزيع الأعباء والمهام

شهدت وزارة الإسكان منذ تأسيسها عددا من التحولات والتغييرات في رؤيتها تجاه واقع الأزمة العقارية المحلية، على الرغم من توافر استراتيجية للإسكان، حددت بالنسبة لها إلى حد بعيد أسباب الأزمة وآلية التعامل معها، ولكن كما يبدو أن نقص خبرتها وحداثة عهد كثير من منسوبيها، إضافة إلى وجود الكثير من المعوقات في طريقها، ولعل هذا هو السبب الأهم، وقفت مجتمعة كعائق في طريقها.

كان من أبرز ما ورد في الاستراتيجية، ووقفت تلك "العوائق الصلبة" في طريق تطبيق تلك الآليات: (1) التوسع في توفير الأراضي للمقترضين من صناديق الدولة. (2) إلزام ملاك الأراضي البيضاء بدفع الزكاة. (3) فرض رسوم على الأراضي غير المستغلة. (4) إقرار خطوات للحد من المضاربة وعمليات التداولات العقارية العالية. أتى بعض تلك العوائق إما من ثقل العامل البيروقراطي للأجهزة الحكومية، وأقرب مثال عليه تأخّر انتقال مخزون الأراضي الحكومية من وزارة البلدية والقروية إلى وزارة الإسكان، التي لا تزال عملية انتقالها تتم بوتيرة بطيئة لا تدرك مخاطر تأخّرها، وأنها تسهم دون أن تعلم في زيادة اشتعال أزمة الإسكان لدينا. البعض الآخر من تلك العوائق؛ أتى من عدم قدرة الوزارة كما ثبت حتى الآن على فرض الرسوم على الأراضي غير المستغلة، وبالطبع عانت المعاناة ذاتها في سياق إلزام ملاك الأراضي البيضاء بدفع الزكاة، في إشارة واضحة إلى أن ملاك تلك الأراضي أقوى نفوذا من وزارة الإسكان، وإلا ما تفسير هذا التأخّر أو الشلل بمعنى أدق في تطبيق ما لا يتطلب أكثر من إصدار أنظمته، والبدء في تطبيقها فورا.

آخر تلك المعوقات؛ لا يصح تجاهل أن ما تكتظ به السوق العقارية والإسكانية لدينا من تشوهات وتحديات، أنه أكبر بكثير من قدرة وخبرة وزارة الإسكان! ومما أسهم في بقاء هذا المعوق على قيد الحياة وأطال في عمره، أن الوزارة ظلت حائرة في تعاملها مع أسباب الأزمة، على الرغم من الدعم الأكثر سخاء الذي حظيت به من الدولة – أيدها الله – مقارنة بغيرها من بقية الأجهزة الحكومية، تقلبت طوال تلك الفترة بين أن تتولى بنفسها منفردة بناء الوحدات الإسكانية، انتقلت بعدها إلى فصول متقلبة من أشكال التعامل، انتهى بها المطاف إلى ما أعلنت أخيرا من تطوير للعلاقة مع المطورين العقاريين المحليين "ما زال في بدايته"، وتطبيقها لصيغ التمويل الإضافي بالتعاون مع المصارف المحلية ومؤسسات التمويل.

تجاوزا لكل تلك الجهود المهدرة، وللوقت المهدر، ولبقاء الأزمة تدور بنا في حلقة مفرغة، أعتقد أنه من الصواب في الوقت الراهن أن يتم تغيير التعامل جذريا مع هذه الأزمة المعطلة لمسيرة التنمية الشاملة، التي تسعى بلادنا جاهدة لتحقيقها على أرض الواقع، بأن يتم إشراك عدد كاف من الأجهزة الحكومية ذات العلاقة بمعطيات الأزمة العقارية في مساندة وزارة الإسكان، وأن يحدد لعملية المشاركة تلك مدى زمنيا يتراوح بين 3-4 أعوام، وهو مقترح يهدف بالدرجة الأولى إلى الإسراع في خطوات التنفيذ والإنجاز، وفي الوقت ذاته ليمنع تفاقم حجم هذه الأزمة المفترض عدم وجودها على الإطلاق. من أهم ركائز هذه المشاركة والآلية المقترحة للتعامل مع تحديات السوق العقارية والإسكان، ما يلي:

أولا – أن تتولى الوزارات التي لديها قوى عاملة كبيرة العدد مسؤولية توفير المساكن لمنسوبيها، وتوجيه الجزء اللازم من الدعم المالي ومساحات الأراضي للإسكان إلى ميزانيتها بإشراف مباشر من وزارة المالية، في مقدمة تلك الوزارات: وزارة التربية والتعليم، وزارة الدفاع، وزارة الحرس الوطني، وزارة الداخلية. سيسهم هذا المقترح في إزاحة وزن كبير جدا من الأزمة، ويوفر في الوقت ذاته دعما قويا لجهود حلها في وقت أقصر بكثير.

ثانيا – أن تتولى وزارة التجارة والصناعة حصر ومراقبة كل من: (1) ملكيات الأراضي بمساحات شاسعة، وتطبيق أنظمة الحد من الاحتكار، وإرساء المنافسة في السوق بالتعاون مع مجلس حماية المنافسة. (2) مراقبة تحركات أسعار الأراضي والعقارات وأثمان التأجير في السوق، وأن تطبق بحقها الضوابط النظامية التي تحد من التحكم والتلاعب بها. (3) أن تتولى تنفيذ الإجراءات والعمليات اللازمة للحد من المضاربة وعمليات التداولات العقارية العالية. في اعتقادي أن هذه المهمة ستكون من أبرز ما سيسهم في ضرب الأسباب الحقيقية للأزمة في عمقها. أخيرا وليس آخرا، أن تقوم وزارة التجارة والصناعة من ثم بالنشر المنتظم لنتائج تلك المهام، لعل من أهم ما يجب نشره تحركات الأسعار، وإصدار مؤشر دقيق يوضح اتجاهاتها في السوق.

ثالثا – أن تتولى وزارة المالية مهام تحصيل الزكاة المفروضة على ملاك الأراضي البيضاء، الرسوم المفروضة على الأراضي غير المستغلة. وتقوم من ثم بتغذية ميزانية صندوق الإسكان من عوائد تلك الرسوم المحصلة، وهو ما يشبه آلية تحصيلها للزكاة وتوجيهها إلى وزارة الشؤون الاجتماعية.

رابعا – أن تتولى الشركات الكبرى التي تمتلك الدولة حصة من رأس مالها بتوفير الإسكان لمنسوبيها، وتقديم الدعم اللازم لها لإنجاح هذا التوجه، وسيكون تنفيذه بالنسبة لتلك الشركات أقل جهدا وتحديا مقارنة بغيرها من الخيارات المذكورة أعلاه.

خامسا – أن تقوم كل من المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية وصندوق التقاعد بتغيير سياساتهما الاستثمارية، وتحديدا المتعلقة بالاستثمار في القطاع العقاري، التي ساهمت وفق وضعها الراهن في زيادة احتكار الأراضي واحتجازها، ويُبحث معها في كيفية التعامل مع ما لديها من مخزون هائل من الأراضي، إضافة إلى تغيير النموذج الاستثماري الذي تعمل من خلاله.

سادسا – تحتفظ وزارة الإسكان بمهامها ومسؤولياتها المنصوص عليها نظاما، مع ضرورة زيادة جهودها في إطار تنظيم السوق المحلية للعقار والإسكان، ومتابعة مجريات التطورات والمتغيرات في السوق، واستكمال تنفيذ ما لديها من مشروعات الإسكان للشرائح الاجتماعية خارج دوائر الجهات الرسمية المشار إليها أعلاه، كما يفترض أن تتولى دورها المحوري في التنسيق المستمر والدائم بين تلك الجهات الحكومية والقطاع الخاص.

إنني أرجو أن تجد هذه المقترحات طريقها للقبول بمناقشتها وبحث جدوى تطبيقها بصورة عاجلة، علما أن مجال تطويرها وتوسيع دائرتها قابل للتحقق، ما دام أن هدفها النهائي تحقيق التنمية المستدامة لبلادنا وأهلها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/05/24/article_851395.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.