أزمة العقار .. قبل أن تتوغل الفأس في الرأس

لا يزال الحديث مستمرا هنا حول أوّل التحديات العشرة التي يواجهها الاقتصاد السعودي في الوقت الراهن، ممثلة في تحديات السوق العقارية. تلك التحديات التي وعدتُ بالتوسّع في الحديث عنها بدءاً من تشخيص الأسباب التي أدّت إليها، والآثار المتوقعة لها في الأداء الاقتصادي ومستوى التنمية الشاملة، والآليات اللازمة للحد من تلك الأسباب والتشوهات أو حتى القضاء عليها إنْ أمكن.

للتذكير بتلك التحديات الاقتصادية؛ هي: (1) تحديات السوق العقارية. (2) تحديات سوق العمل. (3) تأخّر درجة تقدّم تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. (4) الفساد. (5) قصور أداء الأجهزة الحكومية. (6) الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة. (7) ضعف دعْم المنشآت المتوسطة والصغيرة. (8) استمرار تفاوت مستويات التنمية بين المناطق الحضرية الكبرى والحضرية الصغرى "النائية". (9) تفاقم أشكال اقتصاد الظل "الاقتصاد الأسود". (10) الأمن المائي والغذائي.

قدّمتُ في المقال الأخير بعنوان: "أزمة العقار.. توزيع الأعباء والمهام"، ستة مقترحات للمساهمة في إحداث انفراجٍ سريع لهذا التحدّي الجسيم، أؤكد عليها هنا للأهمية، وأنْ تجد آذاناً صاغية من مختلف الأجهزة الحكومية المعنيّة بها، وأنْ تُترجم تلك المقترحات وغيرها من المقترحات التي ساهم بطرحها العديد من الكتّاب والمتخصصين إلى واقعٍ ملموس، وليس شرْطاً أن يتم تبنّي كل تلك المقترحات، ولكن على أقل تقديرٍ أن نشهد استجابةً وحراكاً تجاه تلك المقترحات القابلة للتنفيذ، وهو ما حرص عليه كل من ساهم في وضع تلك المقترحات؛ أنْ تتسم بالمرونة والقابلية للتنفيذ!

الأمر البالغ الأهمية هنا في خصوص تحديات السوق العقارية، أنّ بقاء الأوضاع الراهنة على ما هي عليه من تشوهات وتحديات دون أدنى تغيير، وترْكها تتمادى في تشوهاتها الكبيرة التي ألحقتْ أشدَّ الأضرار بالاقتصاد الوطني والتنمية والمجتمع، والسماح للأسعار المبالغ فيها لأثمان الأراضي والعقارات بالمزيد من الارتفاعات، على تلك النمطيّة المتمردة اقتصادياً ومالياً، ستكون له عواقبه الوخيمة أمنياً واجتماعياً واقتصادياً! ما يتطلّب بالضرورة القصوى سرعة التدخّل الحكومي لأجل معالجة هذا التحدّي المهدد لكل أسباب الاستقرار في بلادنا العزيزة، وأنْ يكون الهدف الأول لجميع الأطراف الحكومية ذات العلاقة، وهو أمرٌ قابل للتحقق قياساً على أنّ الأسباب التي وقفت وراء اشتعال هذه الأزمة دون مبررٍ حقيقي؛ أؤكد أنّها وفقاً لما تمّت دراسته وبحثه حول تلك الأسباب، بدا أنّها مفتعلة في حقيقتها، وأنّ بالمقدور وبأقل التكاليف المادية معالجتها والقضاء عليها، سبق أنْ تحدثتُ وغيري عنها في أكثر من مقام، حتى أصبحتْ واضحةً للعيان، وهي للتأكيد: (1) آلية المنح المجانية للأراضي من أملاك الحكومة بمساحات شاسعة لمُلاك محدودي العدد. (2) انتقال تلك الملكيات إلى التكتلات الضيقة العدد والمقتدرة مالياً، ومن ثم احتكارها وحجبها لفترات زمنية طويلة عن الاستخدام والتطوير "مخزّن ثروة". (3) في حال الدفع بجزء من تلك الأراضي للتداول، تتلقفه التكتلات الأصغر ومجموعات المتاجرة بها، وقد تراها تتورط في تدويرها عبر عمليات مضللة، الهدف منها رفع مستويات الأسعار، كما شهدتها السوق العقارية بصورة لافتة منذ بدأت الحكومة فعلياً بالعمل على معالجة الأزمة.

وأُعيد ذكر الحلول الأبرز لتلك الأزمة المفتعلة: (1) فرْض الزكاة على جميع أشكال الأوعية العقارية المدرّة للعوائد من إيجاراتٍ سنوية وخلافه. (2) فرْض الرسوم أو الغرامات على الأراضي المتوافرة لها الخدمات العامّة، التي يمتنع ملاكها عن تطويرها لأي سببٍ كان. (3) قيام صندوق التنمية العقارية بإعادة وإحياء منح القروض الاستثمارية متدنية الفائدة لملاك الأراضي الشاسعة، وتحفيزهم على تطويرها وبناء المساكن عليها، تحفيزاً لمن ليس لديه الأموال الكافية للتطوير والبناء. (4) الإسراع بتطوير وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتسهيل تأسيس الأعمال، لكيلا تُربك الأموال الخارجة من السوق العقارية اقتصادنا المحلي وتصنع فقاعات سعرية أخرى، أو أنْ تهرب إلى خارج الحدود وتتعرّض للمخاطر الأعلى خارج البلاد. ولمزيدٍ من تبسيط تنفيذ تلك الحلول، ذكرتُ الآلية المثلى لتطبيقها من خلال المقترحات الستة التي أوردتها في المقال الأخير.

لقد علمنا بالأزمة ولمس الجميع آثارها السلبية، وعرفنا أسبابها الحقيقية، وتوصّلنا أيضاً إلى حلولها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد! بل ذهبنا إلى ما هو أبعد من ذلك فذكرنا حتى الآليات التي يمكن في ضوئها أن يتم تنفيذ تلك الحلول. ماذا بعد كل ذلك؟ أليس من المفترض أنْ نرى استجابةً وتحرّكاً مسؤولاً من قبل تلك الجهات الحكومية ذات العلاقة، ولا يقف الحديث هنا فقط عند وزارة الإسكان، بل يتجاوزها إلى فريق الأجهزة الحكومية المعني بالاقتصاد الوطني والتنمية الشاملة للبلاد.

على تلك الأجهزة الحكومية أنْ تدرك مخاطر تأخّرها تجاه حلّ مثل هذه الأزمة العقارية والإسكانية، وأنّ ما يعانيه الاقتصاد الوطني والمجتمع السعودي على حدٍّ سواء جرّاء تفاقم أسعار الأراضي والعقارات، وصل إلى ما وراء المخاطر المحتملة التي تهدد استقرار أيّ مجتمعٍ على وجه الأرض، فما بالنا ونحن نرى ونسمع تكتلات العقاريين يلوّحون للبلاد والعباد بالمزيد من ارتفاعات الأسعار؟

إننا والحال تلك كمجتمعٍ مترابطٍ، اجتمع بكامل شرائحه الاجتماعية على الولاء والمحبة لقادته وبلاده، وآمن تمام الإيمان بالمستقبل الحلم الذي ينشده للأجيال من الأبناء والأحفاد، أؤكد أنّه ينتظر في ثقةٍ كبيرةٍ استحقاقات تطبيق تلك الحلول الحقيقية لأسباب الأزمة العقارية، ويترقّب على وجه السرعة أنْ يراها تتحقق على أرض الواقع، وأن تترجم بصورةٍ فورية، لتتحوّل تلك الأزمة المفتعلة في السوق العقارية والإسكان إلى ذكرى تاريخية، نسأل الله العلي القدير ألا تتكرر. فهل نرى استجابةً قريبة من تلك الأجهزة الحكومية المعنيّة؟ ذاك هو المأمول منها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/05/26/article_851871.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.