حينما يجهل «المسؤول» معلومات عمله

ليست المرّة الأولى التي أقابل مسؤولاً حكومياً أو مسؤولاً من القطاع الخاص، الذي قد يجهل أيّ منهما بعض المعلومات والبيانات الاقتصادية الكليّة! ولا أعتقد أنّها ستكون الأخيرة. أنْ تواجه أحدهما أو كليهما في لقاءٍ تلفزيوني أو ندوة، أو حتى في حديثٍ عابر، ثم تجد أنّ أهمّ البيانات الاقتصادية يجهلانها فلا شك أنّها مصيبة! وتصبح المصيبة أعظم إنْ كانتْ تلك البيانات تصبُّ في صلب عملهما؛ أيّ ما يقوم عليها جانب مسؤولياتهما تجاه إدارة شؤون القطاعات الواقعة تحت إشراف أيّ منهما!

ينتقل الحديث هنا إلى السؤال الأهم: كيف سينجح هذا المسؤول في تولّي تلك المسؤوليات الجسيمة؟ وهو يجهل أبسط الحقائق والبيانات المتعلقة بصلب عمله ووظيفته، دعْ عنك فشله المحتوم في الخروج معه بنتيجةٍ مثمرة سواءً في حوار صحافي أو تلفزيوني أو حتى في حديثٍ عابر، إنّه أحد المؤشرات المهمّة التي تبيّن في الحقيقة عدم أهليته لشغل هذا المنصب أو ذلك الموقع الوظيفي. إنّها مشكلة -أو قل ورطةٍ- حقيقية، أنْ تكتشف عدم معرفة من بيده اتخاذ قراراتٍ معيّنة تمتدُّ تأثيراتها إلى دوائر ومصالح أطراف أخرى، قد تدفع ثمن هذا الجهل المفجع بصورةٍ فادحة، وما يُخشى أنْ تكون هذه الثغرة الخطيرة عاملاً يقف خلف العديد من القرارات غير الصائبة التي تمَّ اتخاذها في أوقاتٍ سابقة، ولا نزال ندور حول أنفسنا بسببها!

من حسنات الإعلام في الوقت الراهن، أنّه سهّل كثيراً من كشف مثل هذه الثغرات والعيوب، تحقق ذلك عبر اللقاءات الصحفية والتلفزيونية، ولعل دور اللقاءات التلفزيونية المباشرة أقوى في الكشف عن تلك الثغرات، كونها لا تعتمد إلا على المخزون المعرفي والمعلوماتي في ذاكرة المشاركين فيها، فلا يوجد وقت للرجوع إلى الأوراق أو التقارير المساندة.

شاركتُ الأسبوع الماضي في لقاءٍ من هذا النّوع، بحضور ممثلين من القطاع الحكومي والقطاع الخاص، اجتمعتْ في هذا اللقاء الغريب إلى حدٍّ بعيد، كل ما يمكن وصفه بالفواجع المشار إليها أعلاه! بعد أنْ استمع المشاهد إلى طروحات كلا الممثلين للقطاعين الحكومي والخاص، واجهتهما بحقائق وإحصاءات رسميّة في مصادرها تخالف تماماً كل ما تمّ طرحه، بل إنّ مصدر بعض تلك الإحصاءات كان جهة عمل الممثل الحكومي. هل تراجع أيّ منهما عما طرحه من آراءٍ وتصريحات؟ بدا واضحاً بعد تلك البيانات أنّها غير دقيقة، ما حدث أنّهما لم يعترفا بتلك البيانات على الرغم من إيضاحي لهما وللمشاهد أنّ مصادرها جهةٌ رسميّة "مؤسسة النقد العربي السعودي"، وأنّ إحداها جهة الممثل للجهاز الحكومي المشارك معنا في اللقاء.

ما الأعذار التي تفضّلا "ممثلا القطاعين الحكومي والخاص" بطرحها، تعبيراً عن سبب رفضهما لتلك البيانات، التي تناقض تصريحاتهما البرّاقة تجاه موضوع حلقة اللقاء؟ وللإيضاح كان اللقاء التلفزيوني حول قضايا التوظيف والبطالة في سوق العمل، واستراتيجية التوظيف السعودية. العذر الأول: أنّ ممثل القطاع الخاص لا يعترف إلا بالبيانات التي تصدر فقط عن مصلحة الإحصاءات والمعلومات العامّة. العذر الثاني: أنّ أي بيانات أو تقارير أخرى غير الصادرة عن مصلحة الإحصاءات تعتبر مشكوكا فيها. حسناً؛ ماذا كان الرد عليها لإزالة اللبس لديهما؟

أولاً: أنّ البيانات التي تم إيرادها تحديداً في اللقاء، وكان مصدرها إحصاءات التقرير السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي، هي في الأصل اعتمدتْ على مصدرين رسميين؛ المصدر الأول هو مصلحة الإحصاءات والمعلومات العامّة كما هو مبيّن أسفل الجداول المنشورة في التقرير السنوي للمؤسسة. المصدر الثاني هو وزارة العمل. طبعاً لم يتم الاقتناع بهذا الرد من قبل السادة ممثلي القطاعين الحكومي والخاص، وهو أمر متوقع؛ ذلك أنّ مجرّد القبول به، يعني في جانبٍ آخر أنّ كل ما صدر عنهما من تصريحاتٍ سيذهب أدراج الرياح، وأنّه غير صحيح!

ثانياً: أنّ التقرير السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي، الذي يعد التقرير الاقتصادي والمالي الأهم والأبرز في بلادنا، وكونه يعتمد في مصادره على الجهات الرسميّة كافّة، سواءً في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص، يتم رفعه سنوياً إلى مقام خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، تعبيراً عن أهمية هذا التقرير السنوي، لما يحتويه من تفاصيل حول أداء وتطورات الاقتصاد الوطني على مستوى جميع قطاعاته. وبقدر أنّه قد لا يُستغرب أحياناً جهل المرء ببعض البيانات والمعلومات، رغم أنّه سيكون أمراً لافتاً أن يجهلها صاحب الشأن المعني بها، إلا أنّ مصدر الغرابة الأكبر، أنّ هذا التقرير السنوي المهم قد عبر كلا الطرفين المشاركين في اللقاء عن عدم اعترافهما به!

إنّها مشكلة حقيقية، ومشكلة من الوزن الثقيل جداً! أن تجد جميع الاعتبارات المهمّة المؤيدة لأهمية التقرير السنوي لمؤسسة النقد العربي السعودي، سواءً على مستوى مصادر بياناته الرسميّة ومن أهمّها مصلحة الإحصاءات والمعلومات العامّة ووزارة العمل، أو على المستوى الرفيع الذي يُرفع إليه ذلك التقرير السنوي، أو على أيّ مستوى آخر يُعتد به، أقول إنّها مشكلة حقيقية على الرغم من كل تلك الاعتبارات، إلا أنّ هذين المشاركين ما زالا يصرّان على عدم الاعتراف به! أيعقل أن يكون هذا فقط لأجل ألا يتراجعا عما صرّحا به من بياناتٍ مغلوطة، لا تعبّر بأي حالٍ من الأحوال عن وقائع سوق العمل المحلية، وتخالف في حقيقتها كل ما ورد في التقرير السنوي للمؤسسة؟!

إذا كانت الوظائف الدنيا والمتوسطة تمر آليات التعيين فيها بالعديد من الاختبارات، التي يتم إجراؤها على المتقدمين إليها، لمعرفة المستحق والمؤهل لها من عدم المؤهل، فإنّه من باب أولى وأهم أنْ توضع الآليات الأكثر تعقيداً للوظائف العليا القيادية، سواءً في القطاع الحكومي أو القطاع الخاص! إنّه سيساعد على درء تولّي أي من تلك المناصب القيادية من قد لا يكون أهلاً لها، ويحمي بدوره مقدرات البلاد والعباد من العبث غير المسؤول، والأهم أنّه لن يسمح بتولّيها إلا من كان أهلاً لها، بما يحقق عملياً النفع والفائدة للمصلحة العامّة. إنّه ما يُرجى تحققه قريباً، وأنْ نرى جميعاً تحرّكاً مسؤولاً من الجهات المعنيّة بتلك المواقع القيادية في كلا القطاعين الحكومي والخاص. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/05/31/article_853226.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.