«زامر اقتصادنا لا يطرب»

قالت العرب قديما مثلها الخالد "زامر الحي لا يطرب"، مثل انتعشت روحه أكثر في وسطنا الاقتصادي والمالي المحلي، وكما يبدو أن مجد من لا يعتمر شماغه وعقاله، لا يزال صاعدا إلى الأعلى، لا يقف في وجهه أي مستويات للمقاومة حسب تعبير أهل التحليل الفني للأسواق.

ليست المرة الأولى التي أعود إلى الكتابة حول هذا الموضوع، وما دعاني إلى التطرق إليه إلا استمرار دائرة هذه القضية في الاتساع دون حسيب أو رقيب. كان آخر تلك المقالات حول هذه القضية ما كتبته قبل عامين بالتمام والكمال في صحيفة "الشرق" مقالا بعنوان "ليتني كنت كوريا يا معالي الوزير"، تعليقا على تقرير استراتيجي قدمه المعهد الكوري للتنمية إلى وزارة الاقتصاد والتخطيط، كانت الوزارة قد طلبته من المعهد الكوري، وتضمن التقرير تحذيرات بالغة الأهمية حول واقع ومستقبل الاقتصاد السعودي ومكامن ضعفه وقوته. كان من أهم ما تطرق إليه ذلك التقرير انتقاده حسب وصفه للسياسة الانتقائية، ووصفه للاقتصاد السعودي بكونه اقتصاد إيجار، وتوجيهه إلى غلبة البيروقراطية على أداء الأجهزة الحكومية، وافتقار القطاع الحكومي للكفاءة، والاعتماد الكبير على عوائد النفط، وسطحية المنافسة الصناعية، إلى آخر ما حمله التقرير من انتقادات، لم يتأخر كتابنا وأصحاب الرأي محليا عن الحديث عنها، لم يعبها إلا أنها كانت مزامير من حينا، لم يكن مرغوبا الاستماع إليها.

كان لافتا جدا أن الكوريين لم يلتفتوا من قريب أو بعيد في تقريرهم المعد بمقابل مالي مدفوع لهم إلى المخاطر العالية جراء ارتفاع معدلات البطالة لدينا، ولم يشيروا في التقرير إلى تحديات قضية الإسكان، ولا إلى الفقر ومحدودية دخل الكثير من الأسر، ولا إلى زيادة نسب التسرب المالي للخارج سواء من خلال تحويلات العمالة الوافدة أو بواسطة الواردات، ولا إلى تفشي اقتصاديات الظل وآثارها المدمرة في التنمية والاقتصاد الوطني، ولا إلى مخاطر التستر التجاري وغيرها من التحديات المحلية، التي رآها زامر الحي فيما غابت عن عيون الكوريين.

الحال لم يتغير، ولا يلوح في الأفق المشاهد ما يشير إلى حدوث تغيير يذكر! بل زاد الترحيب بزامر ما وراء الحدود، وزاد في الوقت ذاته انعقاد الحاجبين بوجه من هو داخلها. لا تقف الظاهرة هنا عند مجرد الآراء وإصدار التقارير وعقد الندوات، ولو أن الظاهرة توقفت عند هذا الحد، لما تعنّى الكاتب كتابة هذا المقال. بل إنها ذهبت إلى أبعد من ذلك بكثير، إلى درجة أصبح مألوفا مشاهدة امتداداتها المقلقة جدا في مختلف مرابع القطاع الحكومي على المستويات القيادية العليا، دع عنك المرابع شبه المسيطر عليها بالكامل في القطاع الخاص، بما فيها حتى الشركات المساهمة الكبرى التي تمول أغلبية رأسمالها الحكومة! ومن عجب أن الحال وصل بنا أمام تلك الأوضاع غير السوية اقتصاديا وإداريا وحتى اجتماعيا؛ أن حتى صوت من يشير إلى مخاطر انتشار تلك الظاهرة، أصبح يقابل بالكثير من الاستهجان والرفض، سواء من قبل القيادات في الأجهزة الحكومية، أو من كبار ملاك ومجالس إدارات الشركات المساهمة في القطاع الخاص!

لعل القارئ الكريم يعيد النظر ويدققه فيما حوله في بيئة عمله على سبيل المثال، ماذا جرى من تحولات طوال الأعوام الثلاثة الماضية على أقل تقدير؟ وماذا نتجت عنه موجة إعادة هيكلة الأجهزة والإدارات الحكومية والشركات والمؤسسات في القطاع الخاص؟ هل زاد حضور ومشاركة الموارد البشرية الوطنية في المواقع القيادية العليا والتنفيذية أم تقلص؟ هل أتيح المجال ولو بعشر الفرصة للموظف السعودي كما أتيحت لغيره؟ وما الوظائف التي فتح المجال أمامه ليتولاها؟ وهل تم تقييم الأجر الشهري للقيادي السعودي ولو بنصف مثيله لمنافسه غير السعودي؟ ليس في القضية التي أناقش حقائقها هنا أي عنصرية ضد أي طرف، بقدر ما أنها تنبيه مرتفع الصوت، لأجل إعادة القطار المنحرف عن مساره إلى موقعه السليم، ولأجل منح الموارد البشرية الوطنية الكفء فرصتها الكاملة، ولأجل أن تكتمل الدائرة التنموية المتمثلة في الاستثمار الأمثل للموارد البشرية الوطنية، التي أنفق عليها مئات المليارات من الريالات تعليما وتأهيلا وتدريبا.

كم هو محبط جدا لأي شاب أو شابة سخر حياته لأجل نيل أعلى الشهادات، وتعلم المهارات اللازمة، ثم لا يجد أمامه إلا فرصة عمل لا يتطلب مؤهلها أكثر من أدنى الشهادات لديه "المتوسطة، أو الثانوية"، دون أي اعتبار لشهادته الجامعية التي قد تكون أحيانا درجة الماجستير أو أعلى. وكم هو محبط جدا أن يكافأ ذلك الشاب أو تلك الشابة بأجر شهري لا يعادل حتى ربع أجر الممنوح للآتي من خارج الحدود، وأجر لا يلبي على أقل تقدير نصف متطلباته المعيشية. وكم هو محبط جدا أن من يقابله لأجل نيل تلك الوظيفة، ومن يقيم أداءه الوظيفي، ومن ينهي عقده والاستغناء عن خدماته هو ذاته الآتي من خارج الحدود. وكم هو محبط أن كل تلك التحديات التي يواجهها شبابنا وبناتنا بصورة يومية لا تنقطع فصولها المحزنة، لم تلفت انتباه أحد من الجهات المسؤولة ذات العلاقة، ولم تلق أدنى اهتمامات القائمين على أي من تلك الأجهزة سواء الحكومية أو في القطاع الخاص. ويستمر الإحباط؛ حيث إن مثل هذه القضايا والتحديات لا تزال مواد دسمة يضطر الكاتب وغيره إلى تسليط الضوء عليها من وقت إلى آخر، وأن مظاهرها السلبية مستمرة في التفاقم دون أي رادع لها، في غياب شبه تام من عيون الرقيب والحسيب.

إننا أمام تحد تنموي جسيم جدا؛ بدءا من تولي الوظائف التنفيذية، مرورا بالمناصب القيادية، وانتهاء إلى ساحة الرأي العام، جميعها ترحب أيما ترحيب بكل ما هو قادم من خارج الحدود، فيما يغلب عليها الصدود وعدم القبول لمن نبت عوده داخلها. ولا يراد من كل هذا، أن تتم معالجة تلك التحديات الجسيمة بما لا يمت للعقلانية بصلة، ولا بتحقيق التوازن والعدالة والأخذ في الاعتبار المحافظة على المصلحة العامة كركيزة أساسية! بل يجب أن تكون كل تلك الاعتبارات المكونات الرئيسة لأي قرار أو إجراء يستهدف معالجة تلك التحديات، أو بمعنى أدق التشوهات الخطيرة.

إن ما يجري في الوقت الراهن مما أشرت إليه أعلاه، ومما يرتبط به من بقية التفاصيل التي لم يتسع المجال هنا لذكرها، أؤكد أنه هدر اقتصادي وتنموي بالغ الخطورة، لا تخفى عواقبه الوخيمة على كل ذي عقل راجح في بلادنا، يتطلب بالضرورة القصوى من كل جهة مسوؤلة لدينا، سرعة النظر في ورطة تفاصيله اليوم قبل الغد، وأن يتم اتخاذ أسرع القرارات والإجراءات الإصلاحية والمعالجة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/06/09/article_855700.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.