اتجاهات العقار بعد فرض الزكاة

لا تتوافر حتى الآن الإحصاءات الرسمية التي تبين حجم الثروات العقارية "أراض وعقارات" في المملكة، وما يصدر حول تلك الثروات لا يتجاوز كونه تقديرات تصدر عن العديد من الجهات المحلية أو العالمية، التي بناء عليها يمكن تقدير حجم الزكاة الممكن استخراجها على الأوعية التي تدخل تحت طائلة مشروع نظام جباية الزكاة في الأنشطة التجارية والمهنية، الذي وافق عليه مجلس الشورى قبل أمس الإثنين، وشموله العقارات المعدة للبيع أو للإيجار بما في ذلك الأراضي الخام والمطورة. وينتظر أن يستغرق إلى حين تطبيقه فعليا فترة زمنية تراوح بين عام وعامين قادمين.

لهذا سأعتمد على تقديراتي الخاصة في تقييم حجم تلك الثروات، استنادا إلى بيانات كل من الهيئة العليا لتطوير مدينة الرياض ومصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، وتظل تلك التقديرات حتى صدور إحصاءات رسمية؛ مجرد تقديرات تم التوصل إليها بما هو شحيح متاح منها. بناء عليه، يمكن تقدير الحجم الإجمالي للثروة العقارية المكونة من الأراضي الخام والمطورة التي لم تُستغل والعقارات المدرّة لعائد الإيجار حتى نهاية 2013، بأكثر من تسعة تريليونات ريال (2.4 تريليون دولار)، تتوزع على النحو الآتي: نحو 67 في المائة للأراضي الخام والمطورة التي لم تُستغل، أي ما تصل قيمته السوقية 6.1 تريليون ريال "1.62 تريليون دولار"، بمتوسط سعر 1200 ريال للمتر. فيما شكلت القيمة الرأسمالية للعقارات المدرّة للإيجارات "استثمارات عقارية" نحو 33 في المائة، أي ما تصل قيمته إلى أعلى من 2.9 تريليون ريال "786.1 مليار دولار". تشكل قيمة تلك الثروة العقارية "أراضي، عقارات" في المملكة بأقل من 3.8 في إجمالي قيمة الثروات العقارية على مستوى العالم، المستهدفة حتى اليوم بالاستثمار، التي قدرت وفقا لـ PwC analysis بأعلى من 63.9 تريليون دولار، وتقدر أن ترتفع تلك الاستثمارات العقارية عالميا إلى نحو 101.7 تريليون دولار بحلول عام 2020.

وفقا لتلك التقديرات يمكن التنبؤ بوصول المتحصلات السنوية للزكاة بعد تطبيق النظام الجديد لجبايتها على العقارات والأراضي، وفقا لقيمها الراهنة التقديرية إلى نحو 226 مليار ريال سنويا، وهو ما يعادل نحو 8.1 من الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد الوطني بنهاية 2013، ونحو 19.8 في المائة من إجمالي الإيرادات الحكومية المتحققة بنهاية 2013. يأتي الحديث لاحقا عن استخدامات وتوظيف تلك الأموال الطائلة وفق المتطلبات الشرعية، وكيف سيتم توجيهها، وهو ما يتطلب إفراده الكثير من التفصيل والتحليل لا يتسع المجال له هنا.

الأسئلة الأهم هنا: هل سيؤدي فر ض تلك الزكاة إلى تصحيح مستويات الأسعار المبالغ فيها التي وصلت إليها السوق العقارية؟ وفي حال حدث ذلك، كم النسبة المتوقعة لتصحيح مستويات الأسعار؟ وكيف سيتم التعامل مع الخروج المحتمل للأموال المستثمرة في السوق العقارية إن حدث ذلك؟ وهل سيصدر لاحقا نظام لفرض الرسوم أو الغرامات على الأراضي الخام والمطورة حسبما نصت عليه استراتيجية الإسكان؟ من جانب آخر، كيف ستتعامل مصلحة الزكاة والدخل مع احتمالات التلاعب أو التهرب؟ وهل ستنجح في رفع كفاءة تحصيلها لتلك الأموال الطائلة، في الوقت الذي يشوب فيه آليات تحصيلها للزكاة في الوقت الراهن الكثير من القصور؟ أيضا ما الاحتياطات التي ستقوم بها الجهات المسؤولة كي تمنع عمليات نقل أعباء الزكاة المحصلة إلى المشتري الأخير؟ كل هذه الأسئلة تتطلب في جانب منها بحثا طويلا يستقرئ التوقعات التالية بعد وقوعها محل التنفيذ، وفي جانب آخر تتطلب إجابات شافية عالية الشفافية من وزارة المالية ومن مصلحة الزكاة والدخل.

إن التطورات الراهنة والمستقبلية التي يمر بها الاقتصاد الوطني بوجه عام، والسوق العقارية بوجه خاص، تتشبع بالكثير من التغيرات العميقة الأثر، لعل أهم ما يجب أن تقترن به هو الإفصاح المستمر والشامل لكل تفاصيلها، وأن تترجم دون تأخير أو تعطيل فور إقرارها على أر ض الواقع، إضافة إلى الأهمية القصوى لتطبيق الأنظمة سواء المتعلقة بتحصيل الزكاة أو بفرض الرسوم والغرامات على احتكار الأراضي وحجزها، أؤكد أن يتم تطبيقها بصورة كاملة لا تستثني أي طرف من الأطراف، ذلك أن خطر حدوث أي استثناءات في تطبيق تلك الأنظمة ستكون عواقبه أكثر فداحة من عدم تطبيقها من الأصل!

وفقا لتقرير Global Construction 2025 الذي يتناول جهود مختلف دول العالم على مستوى تشييد المساكن خلال الفترة 2012-2024، احتلت المملكة المرتبة الثانية عشرة "12" عالميا على مستوى بناء وتشييد الوحدات السكنية الجديدة، بمعدل سنوي تجاوز 184.1 ألف وحدة سكنية سنويا "الإجمالي للفترة 2.21 مليون وحدة سكنية"، على أننا لو أخذنا في الاعتبار أن المملكة تنجز في الوقت الراهن أكبر من هذا الرقم، الذي بلغ خلال 2013 نحو 337.5 ألف وحدة سكنية، ما يشير إلى إمكانية رفع قدرة المملكة على تشييد المساكن الجديدة خلال الفترة حتى نهاية 2024 إلى أكثر من أربعة ملايين وحدة سكنية، يُقدر أن تبلغ تكلفتها الإجمالية بأكثر من 4.5 تريليون ريال، ووفقا لهذا المستوى الممكن من الإنجاز لتلك المشروعات السكنية، ستتقدم المملكة في سلم الترتيب إلى المرتبة التاسعة "9"، بعد الهند والصين وإندونيسيا والولايات المتحدة ونيجيريا والبرازيل والمكسيك وروسيا حسب الترتيب، متقدمة على المملكة المتحدة وألمانيا.

إجمالا، لم تُقدم الدولة – أيدها الله – ممثلة في أجهزتها التشريعية والتنفيذية على اتخاذ الخطوات الأخيرة فيما يخص السوق العقارية، إلا بهدف تصحيح أوضاعها وتشوهاتها العميقة، التي تحولت عبر زمن طويل إلى أحد معوقات التنمية المستدامة والشاملة، دفع ثمنها كثيرا الاقتصاد الوطني والمجتمع على حد سواء، وما يجب أن تصل إليه الأمور في خواتيمها؛ أن تنجح تلك الخطوات والإجراءات في معالجة صلب المشاكل والأسباب التي أدت إلى تحول السوق إلى تحد جسيم أمام الاقتصاد والمواطن، عوضا عن الدور المفترض أن تلعبه في دعم الاقتصاد والتنمية، وهنا صلب الموضوع. سأستكمل الحديث لاحقا – بإذن الله تعالى، محاولة للتعرف على الكثير من التفاصيل ذات العلاقة بتلك المستجدات، وآثارها المستقبلية المحتملة في الاقتصاد والمواطنين. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/06/11/article_856324.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.