ما نسبة تراجع أسعار الأراضي بعد الزكاة؟

استكمل الحديث حول الأثر المرتقب على فرض الزكاة، بعد تصويت مجلس الشورى منتصف الأسبوع الماضي بالموافقة على نظام جباية الزكاة في الأنشطة التجارية والمهنية، وشموله للعقارات المعدة للبيع أو للإيجار بما في ذلك الأراضي الخام والمطوّرة. مع ضرورة التأكيد على أمرين رئيسين في هذا الخصوص، هما؛ الأمر الأول: سرعة تنفيذ الإجراءات المؤدية إلى البدء بتطبيق الأنظمة المقررة، سواءً المتعلقة بفرض الزكاة أو بإقرار الرسوم والغرامات على احتكار الأراضي وحجزها، وأن تتسم آلية تطبيقها لتشمل الأطراف كافّة دون استثناءٍ لأحد، لما تحمله أيّ من تلك الاستثناءات إنْ حدثت من مخاطر أكبر بكثيرٍ من مخاطر عدم تطبيق تلك الأنظمة من الأصل. الأمر الثاني: أنْ تُستكمل بقية الحلول الأخرى لمعالجة الأزمة العقارية المفتعلة، التي تم بلورتها في أربعة حلولٍ رئيسة ليس فرض الزكاة إلا أولها، وهي كالتالي: (2) فرْض الرسوم أو الغرامات على الأراضي المتوافرة لها الخدمات العامّة، التي يمتنع ملاكها عن تطويرها لأي سببٍ كان "نصّت عليها استراتيجية الإسكان". (3) قيام صندوق التنمية العقارية بإعادة وإحياء منح القروض الاستثمارية متدنية الفائدة لملاك الأراضي الشاسعة، وتحفيزهم على تطويرها وبناء المساكن عليها، تحفيزاً لمن ليس لديه الأموال الكافية للتطوير والبناء. (4) الإسراع بتطوير وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتسهيل تأسيس الأعمال، كي لا تُربك الأموال الخارجة من السوق العقارية اقتصادنا المحلي وتصنع فقاعات سعرية أخرى، أو أنْ تهرب إلى خارج الحدود وتتعرّض للمخاطر الأعلى خارج البلاد.

سأتجاوز هنا حالة الشكوك التي أُثيرت إعلامياً من قبل العديد من المهتمين بالسوق العقارية، عقب صدور خبر تصويت مجلس الشورى على مشروع نظام جباية الزكاة، التي ذهبت إلى صعوبة تحديد وحصر تلك الأراضي والممتلكات العقارية المدرّة للعوائد، وبقية المعوقات الأخرى المحتمل وقوفها سدّاً منيعاً في طريق تطبيق نظام جباية الزكاة على العقارات المعدة للبيع أو للإيجار بما في ذلك الأراضي الخام والمطوّرة، ذلك أنّ المسؤول عن تمهيد سبل تجاوزها هو الأجهزة الحكومية المعنيّة، التي يقع عليها عبء التنفيذ الإلزامي للأوامر الساميّة المتعلقة بأيّ أنظمة تصدر، بغض النظر عن نظام جباية الزكاة أو غيره، وأن مسألة تطبيقها بكل حزمٍ ودون تأخيرٍ أو استثناءٍ لأحدٍ، يعكس بالدرجة الأولى هيبة الدولة التي لا يمكن لأيّ كائن المساس بها، ومن ثم فأيّ نقاشٍ أو تشكيكٍ حول صعوبة تطبيق هذا النظام أو غيره، لا يتجاوز في حقيقته إلا عدم ثقةٍ في قدرة الدولة ممثلةً في أجهزتها التنفيذية على تطبيق ذلك النظام أو غيره من الأنظمة الأخرى. إنّه برأيي مسار مسدود من بدايته، لأنه بمجرّد صدور الأمر السامي بتطبيق نظام جباية الزكاة، فلا بدّ أنْ يأخذ طريقه المشروع إلى التنفيذ والالتزام به، وأنّ من سيخالفه سيتحمّل الغرامات والعقوبات المنصوص عليها في هذا النظام.

وفقاً لما ذكرته في المقال السابق "اتجاهات العقار بعد فرْض الزكاة" يوم الأربعاء الماضي، الذي تمَّ فيه تقدير القيمة السوقية للأراضي الخام والمطوّرة غير المستغلّة بنهاية 2013، بنحو 6.1 تريليون ريال بمتوسط سعر 1200 ريال للمتر، قد تزيد أو تنخفض عن هذا الرقم بنسبٍ طفيفة قياساً على الغياب الكبير للإحصاءات الرسميّة المتعلّقة بها، تمثّل نسبة تلك القيمة إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية 2013 نحو 218.4 في المائة، ويُقدّر أن ترتفع أكثر من 246 في نهاية العام الجاري، وتعد مرتفعةً جداً بمقارنتها بنسبها التاريخية السابقة، التي لم تتجاوز نسبة 160 في المائة حتى نهاية 2008، علماً أنّ تلك النسبة بدأت بالصعود من أدنى مستوياتها في نهاية 2005 من نحو 130 في المائة. كما تعد مرتفعةً حتى بمقارنتها بعمق السوق المالية في أعلى قمّة وصلت إليها في نهاية 2005 بلغت آنذاك نحو 199.7 في المائة، تعرَّضت بعدها لموجة تصحيحية قاسية في مستويات أسعارها.

لماذا أبدأ من هذه النقطة لتحديد الأثر المتوقع للتراجع المحتمل على أسعار الأراضي في حال تمَّ تطبيق نظام جباية الزكاة، أو حتى بصورةٍ استباقية إذا ما تأكّد تطبيقه؟ أرى أنّه قد يكون من أفضل المؤشرات المتاحة لدينا في الوقت الراهن قياساً على توافر البيانات، ولا أزعم أنّه المؤشر الأفضل أو الوحيد الذي يتيح لنا المجال في الوقت الراهن لمعرفة إلى مدى يمكن أن تنخفض الأسعار.

تشير التقديرات وفقاً لما تقدّم مع الأخذ في الاعتبار العديد من المتغيرات الاقتصادية والمالية الأخرى، إلى أنّه في حال تراجعت نسبة تلك القيمة السوقية التقديرية للأراضي إلى إجمالي الناتج المحلي، من مستوياتها المرتفعة بأرقام اليوم من 246 في المائة، فقد تشهد استقراراً عند مستويات تراوح بين 160 في المائة و140 في المائة، وهي المستويات التاريخية التي تأرجحت ضمن نطاقها بصورةٍ أكثر تكراراً. ماذا يعني ذلك بالنسبة للأسعار؟

إنّه يعني في حال تراجعت نسبة القيمة التقديرية للأراضي إلى 160 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، فإنّ الأسعار ستشهد خلال الأعوام القليلة القادمة تراجعاً بنسبة 35 في المائة مقارنةً بمستوياتها الحالية. أمّا في حالة تراجع نسبة قيمة الأراضي لإجمالي الناتج المحلي إلى مستوى 140 في المائة، فمؤداه توقع حدوث تراجع في الأسعار تصل نسبته إلى 43 في المائة مقارنةً بمستويات أسعار الأراضي اليوم. كما أشرتُ سابقاً تظل هذه مجرّد تقديرات، كما قد تزيد أو تنخفض أو حتى لا تتحقق، ذلك أنّها محكومة بالعديد من المعطيات الاقتصادية والمالية، إضافةً إلى الدور المرتقب للعديد من الإجراءات والأنظمة المتوقع صدورها قريباً، التي تستهدف تنظيم السوق العقارية ومنها نظام جباية الزكاة والرسوم والغرامات على المحتكرين.

الأهم هنا؛ وما يجب أن يعلمه المواطن كونه المعني الأكبر بما تعكف الأجهزة الحكومية عليه؛ من أعمالٍ وجهودٍ وإجراءاتٍ يتم بذلها في الوقت الراهن ومستقبلاً، أنّ الهدف الرئيس لكل ما يجري من عملٍ واسع النطاق هو من أجل تمكينه من امتلاك مسكنه بأيسر السبل وأقلّها تكلفة، ما يعني بصورةٍ أكثر تحديداً أنّ تخفيض مستويات الأسعار المرتفعة جداً التي يشاهدها الآن، هو أوّل الأهداف التي يجب أن يترقّبها وينتظر تحققها، وهذا هدف ليس تحت مظلة التوقعات والتقديرات، ولا يمكن لأي طرفٍ مقاومة تحققه ما دام أنّه هدف الدولة. الأمر الآخر؛ أن على المواطن متابعة حصوله على أكبر قدرٍ من المعلومات حول هذا الملف، واطلاعه على تحليلات وتوقعات ما يجري العمل عليه في خصوص السوق العقارية على اختلاف تقديراتها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/06/14/article_857248.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.