اختبار الكفايات.. الحل الأمثل لا الأخطر

يندرج اختبار كفايات للمعلمين والمعلمات ضمن الاختبارات التي يُجريها المركز الوطني للقياس والتقويم في التعليم العالي "قياس"، ووفقاً للمركز يستهدف الاختبار قياس مدى تحقق الحد الأدنى من المعايير اللازم توافرها في المتقدمين لمهنة التدريس، بما تشمله من معارف وعلوم ومهارات، تغطي الجوانب الأساسية للمهنة. وتُوظّف نتائجه لعددٍ من الأغراض: منها استخدامه في عمليات الانتقاء والمفاضلة للوظائف التعليمية من قبل الجهات المختصّة في وزارة التربية والتعليم.

لستُ هنا لأسجّل اعتراضاً على وجود هذا الاختبار، بل لأدوّن "رأياً" خارج صندوق المؤيد أو الرافض على الإطلاق دون النظر إلى عواقب أيّ منهما، أرجو أنْ يجد آذاناً صاغية من قبل القائمين عليه. فالجميع بمن فيهم المرشحون لخوض هذا الاختبار، وحتى من فشل في اجتيازه، يؤيد تماماً الأهداف النهائية من عقْده، وأنّ القطاع التعليمي من الضرورة القصوى أنْ يحظى برفع معايير أدائه وكفاءته، بدءاً من المعلّم والمعلّمة، مروراً بالمناهج والوسائل التعليمية والتربوية، لإعداد وتأهيل أجيال المستقبل من مجتمعنا وفق أعلى معايير التربية والتعليم، وأنّ الاستثمار في تعليم الإنسان وتأهيله يرتقي إلى أعلى سلالم الاستثمار الحقيقي لأي أمّةٍ على وجه الأرض، ولكن.

كما أنّ المعلم أو المعلّمة الأقل كفاءة وتأهيلاً في ميزان الأهلية للتعليم، يمثّل خطراً على أجيال المستقبل، يستهدف "الاختبار" الحدّ منه وتجنيب القطاع التعليمي والتربوي مخاطره، إلا إنّه من جانبٍ آخر يؤدي عبر تراكم مئات الآلاف من المتعثرين فيه، وحرمانهم بالتالي من القطاع الأكثر تأهيلاً لاحتوائهم. أؤكّد أنّه بتلك الطريقة ومساهمته في زيادة العاطلين والعاطلات، يُشكّل بدوره خطراً أكبر على الحاضر والمستقبل على حدٍّ سواء! وخاصّةً أنّ نتائجه الأخيرة التي كشفتْ عن عدم قدرة "ستة أعشار" المتقدمين اجتياز الاختبار، ما يُشير بوضوح – بافتراض خلو الاختبار من أيّ خلل – إلى حقيقتين لا يمكن تجاهلهما.

الحقيقة الأولى: أنْ عجز تلك النسب المرتفعة من خريجي التعليم العالي عن اجتياز الاختبار، يُشير إلى وجود خللٍ جوهري في أروقته! وليس من العدل هنا أنْ يتحمّل مسؤوليته فقط "الخريجون والخريجات"، بل لا بد من اتخاذ ما يجب للبحث في الأسباب كافّة وراء تلك النتائج، وخاصةً أنّنا نتحدّث عن 23 جامعة حتى نهاية 2013، تستقطع من الميزانية العامّة أكثر من 6.6 في المائة منها، حيث بلغ مجموع مخصصاتها المالية للفترة 2014-2012 نحو 152 مليار ريال! ومن ثمّ فإنّ مجرد الاكتفاء بحجب فرصة توظيف مخرجات تلك الجامعات لفشلها في اجتياز الاختبار، ودون أخذ بقية الأسباب الأخرى بعين الاعتبار، يُعد بالدرجة الأولى هدراً فادحاً لكل تلك الأموال الهائلة.

الحقيقة الثانية: أنّ الاختبار بوضعه الراهن، وقياساً على تلك النسب المرتفعة من المتعثرين في اجتيازه سنوياً، أصبح واحداً من أكبر مغذيّات البطالة، والتحدّي الأكبر هنا أنّ القوة العاملة المعطلة هنا تحمل شهاداتٍ جامعية! ولن أتوسّع هنا في محدودية الفرص البديلة المتوافرة في سوق العمل المحلية، أو في التحديات الجسيمة التي يواجهها اقتصادنا الوطني تجاه هذا الملف. القول هنا إنّ أغلب الوظائف المتاحة في القطاع الحكومي خارج قطاعي التعليم والصحة، وصلت إلى نقطة التشبع أو أكثر من ذلك، وفي القطاع الخاص تكاد الوظائف المتدنية التأهيل العلمي والمهارات اللازمة لها تسيطر على أغلب الوظائف المتاحة، وهو ما سبق التوسّع في إيضاحه في أكثر من مقامٍ ومقال. أمّا على مستوى التحديات ممثلةً في معدل البطالة بين المواطنين، فيكفي الإشارة إلى بلوغ معدل البطالة بينهم حتى نهاية 2013 إلى 19.2 في المائة "الذكور 12.8 في المائة، الإناث 30.3 في المائة"، ما يضع الاقتصاد السعودي ضمن أعلى عشرة اقتصادات تعاني البطالة! إنّه والحال تلك بكل اختصارٍ، إضافةً أخرى فادحة الهدر والثمن لتعطيل الموارد البشرية الوطنية، وإلى التحديات الجسيمة لاقتصادنا الوطني.

خلاصة القول؛ يتفق الرأي هنا تماماً مع الهدف الرئيس للاختبار، المتمثّل في قياس مدى تحقق الحد الأدنى من المعايير اللازم توافرها في المتقدمين لمهنة التدريس، ويؤمل استمرار تطوّره مستقبلاً، ولكن بشرْط أنْ يتم كل ذلك على مراحل زمنية متدرجة، تأخذ بعين الاعتبار عوامل التقدّم المعرفي والحضاري للمجتمع السعودي، إضافةً إلى العوامل الاقتصادية ذات الآثار المباشرة على الاقتصاد الوطني والمجتمع على حدٍّ سواء، كمستوى الدخل ومعدّل البطالة، التي بدورها تشكّل الوزن الأثقل في ميزان الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والأمني في أي بلدٍ كان.

تُرى، أيّ مجتمع سنكون عليه مستقبلاً؟ إذا كان مقابل أية جهودٍ يُعتقد أنّها الأفضل تُبذل على قطاعٍ بعينه، بينما نرى تأخّراً يوازيها على قطاعاتٍ أخرى! بمعنى؛ ما التكلفة التي سنجنيها مستقبلاً من رفع مستوى التعليم بهذه النمطيّة المستعجلة، مقابل إهدار الاستفادة ممن أنفقتْ الدولة والمجتمع على تعليمهم العالي أموالاً طائلة تدوّن في خانة المليارات من الريالات، ومقابل أن تتحوّل تلك الموارد البشرية إلى ركيزة بناء وتنمية تُستثمر الاستثمار الأمثل، نتورط دون أن ندرك الأبعاد الأخرى في مفاقمة المخاطر الجسيمة التي يواجهها اقتصادنا، لعل من أبرزها أنْ يجد مجتمعنا نفسه في مواجهة خطر ملايين العاطلين والعاطلات عن العمل ممن يحملون أعلى المؤهلات التعليمية!

ما الحل؟ يتلخّص في التالي: (1) كما أشرتُ أعلاه؛ يجب ألا يتحمّل أولئك المتعثرون والمتعثرات في اختبار الكفايات وحدهم المسؤولية، بل يجب أنْ يتحمّلها كل من له علاقة بالتعليم العالي والتعليم العام على حدٍّ سواء، فيُعاد من فترةٍ إلى أخرى تقييم العملية التعليمية والتربوية بصورةٍ شاملة، وهو ما يؤمل معه أنّ يعزز من دور ومهمة مشروع الملك عبد الله لتطوير التعليم العام. في هذا السياق، قد يكون إعفاء المتقدمين للاختبار من رسومه "الرمزية" وتحميلها على ميزانيات الجهات ذات العلاقة، مؤشراً على جدية هذا التوجّه المأمول، وما يثبت من جانبٍ آخر اهتماماً وعناية بالمواطن والمواطنة. (2) أنْ تتحوّل نتائج الاختبار إلى محددات ومعايير لإعادة التأهيل والتدريب بالنسبة للمتقدمين والمتقدمات لمهنة التعليم، وذلك بعد أن يتم قبولهم وتعيينهم على الوظائف التعليمية الملائمة لهم، مع التأكيد على توظيف نتائج اختبار الكفايات في مجال تنمية قدرات ومهارات المعلم والمعلمة أثناء ممارسة العمل، وهو ما يُعد أفضل استثمار لنتائجه، عوضاً عن طريقته الراهنة التي تعد سبباً في إهدار الموارد المالية والبشرية بصورةٍ لا يمكن إيجاد أيّ مبررٍ لها. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/05/17/article_849568.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.