كيف ستتعامل «الرياض» مع الازدحام القادم؟

بدأ قبل عدة أسابيع قليلة تنفيذ أحد أهم وأكبر المشروعات الحيوية في مدينة الرياض للنقل العام، مشروع الملك عبد العزيز للنقل العام "القطارات ـــ الحافلات" في مدينة الرياض، بتكلفة إجمالية تصل إلى 84 مليار ريال، يخطط أن يستغرق تنفيذه والانتهاء منه 48 شهرا "أربعة أعوام"، تتكون شبكة القطار الكهربائي العملاقة المزمع إنشاؤها داخل المدينة من ستة محاور رئيسة، بطول إجمالي يصل إلى 176 كيلو مترا، ويتوقع أن يحقق هذا المشروع الحيوي بعد إنجازه العديد من المكاسب والمزايا الاقتصادية للمدينة وسكانها، إضافة إلى القيم المضافة المرتفعة للمشروع على مستوى بيئة الأعمال في المدينة الأكبر بين مدن المملكة كافّة، مساحة وعدد سكان.

سيُصاحب فترة تنفيذ المشروع الممتدة إلى 48 شهراً "أربعة أعوام" العديد من التحديات الجسيمة على مستوى النقل الداخلي، حيث ستتقلّص "المسارات" المتاحة في طرق مدينة الرياض، خاصةً الطرق التي سيتم فيها إنشاء وتنفيذ مسارات القطار الكهربائي، عدا كثافة النقل التي سترتفع بصورة أكبر على الطرق الأخرى المساندة والبديلة، والمتوقع أن يتم الاعتماد عليها عوضا عن بعض الطرق التي قد تُغلق أو تتقلّص المسارات المتاحة فيها طوال فترة التنفيذ. كل هذا وغيره من ضغوط الانتقال، والصعوبات المتوقعة مصاحبتها لعمليات التنفيذ، ستترك آثاراً بعيدة على حركة تنقل سكان المدينة أغلب فترات اليوم، وزيادةً أعلى مما هو مشاهد في الوقت الراهن على مستوى ازدحام الشوارع، وما تتسبب فيه من استقطاع وقت أكبر من الوقت الراهن للتنقل عبر شوارع وطرق المدينة، الذي بدوره سيكون عاملاً لا يمكن إغفاله من جهة التأخر عن الوصول إلى مواقع العمل والدراسة أو لأي غرض من أغراض سكان المدينة، التي يتجاوز عدد سكانها سقف الستة ملايين نسمة.

إذا كان متوسط وقت الوصول إلى مقر العمل أو الدراسة صباحاً في الوقت الراهن، يتراوح بين 30 دقيقة إلى 60 دقيقة، وأحياناً إلى 90 دقيقة، ويستغرقه تقريباً بنفس المدى عند العودة مساءً إلى المسكن، بمعنى أننا نتحدث عما يقارب الـ 2 ـ 3 ساعات كإجمالي وقت لازم للتنقل من وإلى مواقع العمل والدراسة يومياً. أقول تحت ظل هذه الوقائع الراهنة؛ كم من المتوقع أن تستغرق تلك التنقلات اليومية من وقت السكان أثناء عمليات الإنشاء والتنفيذ؟ لا شكّ أنها ستشكل تحدياً كبيراً للجهات القائمة على تنفيذ المشروع العملاق، وعلى إدارة مرور العاصمة، وعلى مجتمع المدينة من مختلف الشرائح كافة، ما يتطلب ضرورة اللجوء إلى حلولٍ بديلة لحالة الازدحام المتوقعة بالتزامن مع فترة تنفيذ مشروع الملك عبد العزيز للنقل العام في المدينة، مع الأخذ في الاعتبار أثناء دراسة واختيار تلك البدائل المتاحة والمقترحة، أهمية ألا يترتب عليها تحمل أعباء وتكاليف مادية إضافية على حساب الأطراف ذات العلاقة، خاصة من شرائح السكان من فئات عاملة أو فئات الطلاب والطالبات. إنه تحدٍّ كبير أمام جميع الجهات الحكومية في مدينة الرياض، نتمنّى جميعاً لهم كل التوفيق والنجاح في مواجهته، وأن يتم إنجاز هذا المشروع الحيوي في وقته المحدد له، مع التذكير على أن نمط الحياة العامة في مدينة الرياض سيشهد تغييرات إيجابية كبيرة جداً بعد الانتهاء من التنفيذ، ستنعكس إيجابياتها ــــ بإذن الله تعالىــــ على مختلف شرائح سكان العاصمة الرياض، كعامل "محفّز" يجب أخذه بعين الاعتبار من قبل السكان أثناء تحملهم مشاق التنقل وقت عمليات التنفيذ والإنشاء.

أوردُ هنا بعضاً من الحلول التي قد يكون من المناسب التفكير فيها من قبل الجهات المعنية، لتخفيف حدّة الازدحام المتوقع حدوثها في المدينة، مع ضرورة الإشارة إلى دراسة آثارها المحتملة قبل الأخذ بها، فقد تكون ذات آثار معاكسة، على أنني أرى وفقاً لما أتيح لدي من معطيات وبيانات تتعلق بمدينة الرياض، أنها قد تكون مجدية بمشيئة الله، الحلول المقترحة هي:

(1) أن يتم إلزام الشركات التي لديها عمالة تفوق الـ100 عامل فأكثر بتوفير وسائل نقل عامة "باصات" للعمالة لديها، وإن لم يكن كافياً هذا الخيار، يمكن خفض هذا الشرط إلى 50 عاملا فأكثر، بتوفير "باص" لهذا الغرض، ويمكن دراسة دعم وتحفيز تلك الشركات "مادياً" للالتزام بهذا الخيار، الذي أعتقد أن تكلفته ستكون أقل بكثيرٍ من زيادة التكاليف والأعباء المادية المتوقعة قياساً على زيادة الازدحام المروري في المدينة. وأن تقوم إدارة مرور الرياض بتغريم ومخالفة أيّ من منسوبي تلك الشركات والعاملين فيها، حال استخدامهم لسياراتهم الخاصة أثناء أوقات الذروة "الذهاب للعمل، والعودة منه"، وهو حل سيخفض كثيراً من عدد السيارات في الشوارع، إذ يعني الاعتماد على باص طاقته الاستيعابية 50 شخصا، الاستغناء عن 50 سيارة كان محتملاً استخدامها أوقات الذروة، والخيار هنا يمكن رؤية ثماره الإيجابية إذا ما أسقطنا تقديراته على مئات الآلاف من العمالة في تلك الشركات! كما يمكن التفكير في الخيار نفسه بالنسبة للجامعات والكليات والمعاهد، والذي مئات الآلاف من الطلاب والطالبات.

(2) ضرورة التفكير في تغيير أوقات دوام بعض الجهات والجامعات والكليات، سواء في القطاع الحكومي أو في القطاع الخاص، كخيارٍ يخفف من تركّز خروج وعودة مئات الآلاف من منسوبي تلك الجهات في وقت واحد، ليصبح على أقل تقدير توقيتين متباعدين لا يتقاطعان، وهذا كما نشرته بعض وسائل الإعلام خيار بدأت تفكر فيه الجهات المعنية بالمشروع العملاق للنقل العام.

(3) تغيير اتجاهات بعض الطرق الرئيسة في المدينة، بأن تصبح ذات اتجاه واحد في المسارين، وهذا يتطلب دون شك تفكيراً طويلاً وعناية من لدن تلك الجهات، وهو خيار أعتقد أن إدارة مرور الرياض تفكر فيه كما اعتادت سابقاً، وهو ما سيخفف كثيراً من حدة الازدحام. كما يمكن الاعتماد على بعض الشوارع الواسعة داخل الأحياء، وتحويلها إلى طرق باتجاه واحد كطرق مساندة للطرق الرئيسة المحيطة بالأحياء.

(4) فرض شروط للحركة المرورية في الطرق الرئيسة أثناء أوقات الذروة، كأن يمنع السير فيها بأقل من راكبين أو ثلاثة ركاب، وتغريم من يخالف تلك الشروط، أو تحميل من يريد الاستثناء منها رسوما إضافية أثناء تنقلّه عبر تلك الطرق الرئيسة، وذلك لتخفيف الازدحام على تلك الطرق، وتحفيز سائقي سياراتهم الخاصة على استخدام الطرق البديلة الأخرى الأقل كثافة. والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/30/article_845184.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.