التحديات الاقتصادية .. وماذا بعد؟

أستكمل الحديث عن التحديات الاقتصادية التي نواجهها، تمهيداً لتناولها منفردةً في مقالاتٍ قادمة، ذكرتُ في المقال السابق ثلاثةً منها:

(1) تحديات السوق العقارية: متمثلةً في الأزمة الإسكانية لمختلف أفراد المجتمع، نتيجةً لتفاقم احتكار الأراضي والوحدات العقارية.

(2) تحديات سوق العمل: متمثلةً في ارتفاع معدلات البطالة، التي وصلتْ بنهاية 2013 إلى 19.2 في المائة "الذكور 12.8 في المائة، الإناث 30.3 في المائة"، وتركّزها بصورةٍ أكبر في الفئة الشابّة من المجتمع.

(3) تأخّر درجة تقدّم تنويع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني: إذْ لم تتجاوز مساهمة الصناعات التحويلية دون تكرير الزيت في إجمالي الناتج المحلي حتى نهاية 2013 أكثر من 11.8 في المائة. الذي كان سيُسهم نمو مساهمتها في تخفيف الاعتماد على النفط كمورد وحيد للدخل، وتوجد مشروعات إنتاجية تعزز استقرار الاقتصاد ومتانته، وتوفّر مئات الآلاف من الفرص الوظيفية المناسبة للمواطنين.

وأكملُ هنا؛ (4) الفساد: الذي يُعد العدو اللدود لأي اقتصاد ومجتمع، يجد طريقه ممهداً نحو الاتساع والتمدد في البيئة التي يغيب عنها شفافية المعلومات والتطبيق الجاد للأنظمة والعقوبات، وعلى أنّ المملكة خطتْ في اتجاه مواجهة خطر الفساد خطواتٍ مشجعة عدة خلال الأعوام الأخيرة، إلا أنّ المرتبة المتأخرة في سلّم الدول المحاربة له، تعبّر صراحةً عن ضرورة بذل مزيدٍ من الإصلاحات اللازمة للحدِّ من أشكال الفساد الإداري والمالي بصورةٍ أقوى، لعل من أهمِّ أدوات مواجهته الواجب الإشارة إليها هنا؛ تكثيف الجهود على مسار رفع درجات الإفصاح عن المعلومات المتعلقة بالنشاط الاقتصادي عموماً، ومعلومات عقود المشروعات والمناقصات الحكومية على وجه الخصوص، والانتظام المستمر في الإفصاح عنها، لما لها من أهميةٍ قصوى – كما أشرتُ في مقالٍ سابقٍ – في تضييق الخناق على رقاب المتورّطين في أي مخالفاتٍ أو تجاوزتٍ مجرّمة، وفي الوقت ذاته تزيد فاعلية الأنظمة والقوانين، وتزيد أيضاً فاعلية الرقابة والمحاسبة. كما لا تقف فاعلية وحتمية سلاح "المعلوماتية" هنا عند مجرّد الكشف عن كل ما يجري على أرض الواقع، بل ترتقي لتقف سدّاً منيعاً للمراحل التي تسبق نيات توريط البلاد والعباد في رزايا "الفساد"، ودورها المحوري في تسهيل مهام الأجهزة الرقابية، حكوميةً كانت أم ممثلةً في المؤسسات المدنية للمجتمع كالإعلام والمنشآت البحثية، أو حتى ممثلةً في أفراد المجتمع، ومساهمتها في مضاعفة قوة الرقابة، وتكثيف أعداد من يراقب المشهد العام.

(5) قصور أداء الأجهزة الحكومية: لم تتشكّل لدينا فجوة تنموية هائلة، قُدّر حجمها على مستوى تنفيذ المشروعات خلال العقد الماضي بنحو 1.2 تريليون ريال، أقول لم تتشكل تلك الفجوة إلا نتيجةً لتأخّر وقصور أداء مختلف الأجهزة الحكومية المعنيّة بتلك المشروعات التنموية، والمقصود هنا بالفجوة التنموية؛ أنّها ذلك "الفارق" بين احتياجات ومتطلبات المواطنين "خيارات الحياة" من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى ما تم إنجازه من الجهات الحكومية تلبيةً لتلك الاحتياجات والمتطلبات. أمثلتها كثيرة جداً؛ كالمستشفيات وأسرّة التنويم وعدد الأطباء، والمدارس، والطرق والخدمات البلدية، والمساكن، وغيرها كثير مما يُفترض تلبيته بالكفاية والكفاءة اللازمة من احتياجاتٍ إنمائية عديدة لدى مختلف شرائح المجتمع. كان من أهمِّ تفاقم القصور في الأداء الحكومي، ومساهمته في تشكّل تلك الفجوة واتساع رقعتها على الرغم من توفير الدولة للدعم بكل أشكاله وفي مقدمته الدعم المالي، الذي تجاوزتْ قيمة فاتورته خلال العقد الماضي سقف الـ 2.0 تريليون ريال، أقول كان من أهمّ أسبابه: (1) سوء الإدارة والتقصير من قبل الأجهزة المعنيّة بتلك المشروعات. (2) توغّل الفساد في العديد منها. (3) غياب المتابعة والرقابة والمحاسبة. وكما يُلاحظ هنا أنّ هذه الأسباب الثلاثة ترتبط ارتباطاً مباشراً بالتحدّي الرابع المذكور آنفاً "الفساد"، ما يعني أنّ قصور الأداء الحكومي ليس إلا نتيجة لتفشّي التحدّي السابق.

(6) الاستهلاك المفرط لمواردنا من الطاقة: ظل يتنامى عاماً بعد عام بمعدلاتٍ قياسية، حتى وصلنا إلى استهلاك ثلث قدرتنا الإنتاجية من النفط، ما يُشير بوضوحٍ تامٍ إلى أننا نسير في اتجاهٍ مقلق جداً، يزيد من وتيرته أنّ استهلاكنا المفرط يتجه جزء كبير منه إلى تلبية متطلبات استهلاكية لا إنتاجية! وأنّ الأسعار التي تخضع لها مختلف استخداماتنا لتلك المصادر من الطاقة الناضبة أقل بكثيرٍ من تكلفة إيجادها، وأقل أيضاً بأرقامٍ باهظة الثمن من أسعارها في السوق العالمية، تتحمّل الحكومة سنوياً دفع ثمن تلك الفوارق المادية الباهظة، يُقدّر بلوغها مع نهاية 2013 نحو 390 مليار ريال!

أمّا الأمر الأكثر في هذا السياق، أنّ الارتفاع المتصاعد لفاتورة المعونة الحكومية المعممة على الطاقة والوقود والغذاء، نتيجة الاستهلاك المفرط للطاقة مقترناً بانخفاض تكلفتها، تزامن مع اكتظاظ الأسواق المحلية بالمعدات والسيارات والأجهزة الكهربائية ذات الكفاءة المتدنية في استهلاك الطاقة، وافتقار ثلاثة أرباع المباني إلى مواد العزل الحراري. زاد من سوء الأمر هنا، أن أكثر من 85 في المائة من تدفقات الاستثمار الأجنبي ”781.2 مليار ريال بنهاية 2013”، تركّز على الصناعات والمجالات المعتمدة بصورة أكبر على مواد اللقيم ذات الأسعار المنخفضة ”النفط المكرر، المنتجات الكيماوية والبتروكيماوية”، في الوقت ذاته الذي لم يشهد معها الاقتصاد الوطني آثاراً تميّزها عن غيرها على مستوى توظيف العمالة الوطنية، أو على القيمة المضافة للاقتصاد، بل على العكس تماماً فقد زادت من معدلات استقدام العمالة الوافدة، وأخذت أكثر مما قدمت للاقتصاد الوطني وموارده، وتحديداً تلك التي لجأت بصورة أكبر لتمويل نشاطها التشغيلي إلى وعاء الائتمان المحلي الممنوح من البنوك المحلية.

في ظل الوضع الراهن تحت مظلّة هذا الملف المعقّد، يُرشّح ارتفاع تلك الأرقام من معدلات الاستهلاك والدعم الحكومي المعمم الذي يذهب أغلبه لغير مستحقيه "الشركات الأجنبية، الطبقة الثريّة، السكان غير السعوديين" من الفئات الاجتماعية المستهدفة أصلاً به، يؤيد قوة احتمالاته ثبات وجمود السياسات الاقتصادية الراهنة. لم ينتهِ الحديث عن سرد تلك التحديات، أستكمله في المقال القادم – بإذن الله تعالى.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/05/05/article_846476.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.