الإسكان .. بالإمكان أكثر مما كان

إلى أيّ مدى زمني سيقف طابور المنتظرين الممتد لنحو ثلاثة ملايين مواطن أمام نافذة الإسكان؟ وهل يا ترى سينقص هذا العدد أم سيطول عاماً بعد عام، إذا كان مقابل تسليم "مسكن" واحد لأحد المصطفّين في الطابور هذا العام، سيحل مكانه اثنان على أقل تقدير في العام الذي يليه؟ وهل ستكون كافية بقيمتها الراهنة "250 مليار ريال" التي لا تلبّي أكثر من "خُمْس" احتياجات الطابور الواقف بحجم أرقامه اليوم؟ السؤال الأهم؛ كيف ستتحرّك أسعار الأراضي والمساكن أمام هذا الرتم البطيء جداً لمعالجة أزمة الإسكان؟ أليست معضلة "الأسعار" المتضخمة هي أساس الداء والبلاء؟ لماذا لم تحمل حقيبة "حلول" وزارة الإسكان إلى الآن، حتى مجرّد "إبرة" لتنفيس فقاعة أسعار العقار المتضخمة؟ على أنّه لا بد من التذكير بأنّ حقيبة "وعود" وزارة الإسكان حملت ما هو أكبر من مجرّد "إبرة" تنفيس تلك الفقاعة، ولا يزال الجميع في انتظار تحوّل تلك الوعود إلى حلول نافذة على أرض الواقع.

على المستوى الكلي؛ بماذا يُفسّر واضعو خطط وبرامج التنمية عبر الزمن، أن تتأخّر فرصة المواطن للحصول على عمل من العشرينيات إلى الثلاثينيات، ومن يعلم فقد تتأخّر لما بعد سن الأربعين قياساً على وتيرة التطورات الراهنة؟ وفي الوقت ذاته أن ينخفض مستوى أول أجر يُدفع له، ويظل منخفضاً طوال عمره الوظيفي، ولا يلمس لاحقاً إلا تقلّصاً في حجم انخفاض دخله "هذا إن منحَهُ التضخم فرصة"؟ أيضاً، أن تتأخّر فرصة المواطن بتملّك مسكنه مع أسرته إلى أن أصبحت فرصته المنظورة في الوقت الراهن – رغم ضبابيتها – فيما بعد سن التقاعد؟ وبماذا يُفسّر أولئك المخططين تفاقم التحديات التنموية الجسيمة التي يواجهها ذلك المواطن وأسرته فيما بين تاريخي حصوله على "فرصة عمل" و"فرصة سكن"؟

هذه الأسئلة المعدودة وغيرها من مئات الأسئلة، من لديه الأهلية للإجابة عنها إن لم تكن الأجهزة الرسمية المعنية بها؟ ولا نذهب بعيداً؛ فهي ليست مجرّد أسئلة تبحث عن إجابات على صفحات الورق أو أثير الفضاء، إنها تحديات صلبة جداً قائمة في ارتفاعاتٍ شاهقة على أرض الواقع! ومن لا يراها كذلك فهو إمّا غائبٌ تماماً عن المشهد الاقتصادي والاجتماعي في محيطنا، حريٌ به الرجوع إلى شاشة الإحصاءات الرسميّة لتنكشف أمامه الحقائق كاملة غير منقوصة. أو أنّ على بصره غشاوة يُدعى له بالشفاء منها عاجلاً غير آجل، لتنجلي عن عينيه تلك الغشاوة ويرى تلك الحقائق الرقمية الغائبة عنه.

هل بالإمكان أكثر مما كان؟ سؤال على الدوام؛ تلوح طيوره الحالمة فوق جميع التحديات التنموية الجاثمة على مرابعنا، ودائماً تأتي الإجابة بـ "نعم". نعم بالإمكان وفقاً لما يتوافر لدينا من موارد مالية ومادية غير مسبوقة أن نتغلب على أي أزمةٍ من الأزمات الراهنة "الإسكان، البطالة، الفقر، النقل، الصحة، إلخ". حسناً؛ لماذا إذاً لا تجري الأمور وفق هذه الصورة الممكنة؟ الإجابة باختصارٍ شديد، أنّ الحلول والبرامج التي تُعتمد لأجل معالجة أي من تلك التحديات تعاني في الأغلب من إمّا: (1) تركيزها على جزئية محدودة من حجم الأزمة كاملة، كما هو الحال بالنسبة لبرامج "التوطين" التي عكفت وتعكف وزارة العمل على تنفيذها، بمعنى أنّها تركّزت فقط على توظيف الباحثين عن العمل في السوق، دون النظر إلى التشوهات العميقة التي تعاني منها السوق، التي أوجدتها وغذتها التشوهات الأكبر على مستوى الاقتصاد الكلي، وهو ما نصّت عليه استراتيجية التوظيف الوطنيّة حرفياً، ولا يُعلم حتى اليوم لماذا ماتت تلك الاستراتيجية في مهدها قبل أن ترى النّور؟ أو (2) أن تأتي حقيبة الحلول والبرامج غير مكتملة الأدوات، الأمر الذي يُقلّص بدوره من فرص نجاحها، أو قد يتسبب في فشلها تماماً، ومنها على سبيل المثال لا الحصر نظام حماية المنافسة والحد من الاحتكار واستراتيجية الإسكان. ولعل ما نشهده حتى الآن من تعافي صور الاحتكار في العديد من النشاطات والأسواق المحلية، نتيجة الضعف وعدم الاستقلالية اللذين يعانيهما النظام وأمانة مجلسها القائمين على مواجهة الاحتكار وضعف المنافسة، أحد الأدلة على ما يُشار إليه هنا. أيضاً بالنسبة لأزمة الإسكان، فما شهدناه حتى اليوم من حلول وبرامج لم يلمس بأي درجة من الدرجات أساس وصلب الأزمة، المتمثل في "فقاعة الأسعار اللاهبة"، بل إن الاحتمال المشار إليه أعلاه "التسبب في فشلها تماماً" ترى فصوله تنطبق حرفيا على حالة الأزمة هنا! فالأسعار لا تزال تتصاعد غير آبهة من قريبٍ أو بعيد بما تقوم به وزارة الإسكان.

للمرة الألف أو أكثر؛ تؤكد الأوضاع المتفاقمة لأزمة الإسكان لدينا، أنّ "إبرة" تنفيس فقاعة الأسعار المتورّمة إلى حدود الجنون، يجب أن تكون أول الأدوات المعتمدة ضمن سلّة الحلول والبرامج، بل إنها ستسهم في خفض العدد المليوني لطابور انتظار "قطّارة" المساكن لدى وزارة الإسكان، وستسهم أيضاً في زيادة فرصة المواطن بالحصول على مسكنه قبل السن المتأخر المتوقع وفقاً للآلية الراهنة، خاصة للمواطن الذي يتمتع بدخل شهري مرتفع نسبياً، وهو الذي يقع في آخر قائمة الانتظار. متى تدرك وزارة الإسكان أن قرار فرض "غرامات ورسوم" على محتكري الأراضي هو أول الأدوات اللازم إقرارها؟ هل ستدركه بعد فوات الأوان؟!

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/03/29/article_837080.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.