هل السوق المالية معرضة لفقاعة أخرى؟

يتزايد الحذر والخوف لدى عموم المستثمرين في السوق المالية مع كل ارتفاع في قيمة مؤشرها، مستمدّاً ذعره بدرجةٍ أكبر مما جرى قبل ولحظة السقوط المريع للسوق نهاية شباط (فبراير) 2006، وما ترتّبَ عليه من خسائر فادحة سحقتْ أغلبية ثرواتهم التي دفعوها آنذاك في السوق، زاد من وقعها عليهم تحمّلهم أعباء سداد الديون والتسهيلات العائدة للبنوك المحلية.

عادتْ تلك الحالة من الحذر الشديد بالتزامن مع موجة الصعود القوية التي أظهرتها السوق المالية منذ مطلع العام الماضي، واستمرّت تسجّل مكاسبها الجيدة حتى الوقت الراهن، متزامنةً مع ارتفاعٍ متصاعد في أحجام السيولة، حيث سجّلتْ خلال عام 2013 مكاسب جيدة طوال عشرة أشهر من العام، راوحت بين 0.8 و 5.6 في المائة، مقابل تراجعين فقط سجلتهما خلال شباط (فبراير) وآب "(أغسطس) بنحو -0.6 و -1.9 في المائة على التوالي. واستمرّتْ وتيرة المكاسب الإيجابية تتحقق للسوق منذ مطلع العام الجاري بوتيرةٍ أعلى طوال الأشهر الثلاثة الماضية لم تنخفض عن 2.6 في المائة كحدٍّ أدنى، فيما وصلتْ في ذروتها إلى ما يقارب الـ 4.0 في المائة كمكاسب شهرية.

ما سرّ التحوّل في أداء السوق المالية طوال تلك الفترة وحتى الوقت الراهن؟ وهل سيستمر هذا التحسّن أمْ أنّ السوق على وشك تصحيحٍ أو انهيارٍ سيبتلع كل تلك المكاسب في ظرْف أيامٍ معدودة؟ وهل في حال استمرّتْ تلك الموجة الصاعدة التي تسير فيها السوق المالية، تتجه إلى صناعة فقاعةٍ سعريةٍ جديدة، ليتكرر سيناريو شباط (فبراير) 2006؟ هذه الأسئلة وغيرها هي وقود الحذر والترقّب لدى المجتمع الاستثماري ذي العلاقة بما يجري الآن في السوق المالية، إنْ لم تتم مناقشتها ومراجعتها من وقتٍ إلى آخر بالتزامن مع التطورات الجارية للسوق، فإنّها ستصبح عديمة الجدوى، لعل هذا المقال يجيب عن أكبر قدرٍ ممكن منها وفق ما هو متاح من بيانات، مع ضرورة التنويه إلى أنّه لا يحمل في طرحه أي توصيةٍ بالشراء أو البيع، بقدر ما أنّه يهدف بالدرجة الأولى إلى زيادة رصيد فهمنا للتطورات الجارية الآن في السوق.

في تقديري، أنّ سرّ التحوّل في أداء السوق المالية منذ مطلع العام السابق، كان نتيجةً لعددٍ من العوامل الاقتصادية والمالية، لعل من أبرزها أنّ الأسباب التي ظلّتْ تشكّل عوامل ضغط على أدائها طوال السنوات السابقة، بدأتْ تتلاشى عاماً بعد عام بدءاً من شباط (فبراير) 2006، مروراً بالآثار التي خلّفتها الأزمة المالية العالمية أيلول (سبتمبر) 2008، والتي استمرّتْ تضغط على ثقة المستثمرين حتى نهاية 2012. أسهم في زيادتها انجذاب الثروات المحلية "خاصةً ذات الطابع المضاربي" نحو المتاجرة في الأراضي والعقارات، بصفتها الفرصة البديلة محلياً، قياساً على ضيق الفرص الاستثمارية في الاقتصاد الوطني.

في الوقت ذاته بدأت تتجلّى حقيقتان مهمتان أمام المستثمرين؛ الحقيقية الأولى: أنّ الناشطين بالمتاجرة في الأراضي والعقارات التي حققتْ مكاسب لافتة طوال فترة ركود السوق المالية، وقياساً على نتائج تقييمهم لأوضاع السوق العقارية، سواءً على مستوى تضخّم الأسعار التي وصلتْ إليها مختلف الأصول العقارية، أو على مستوى تحرّك الدولة نحو فرْض مزيدٍ من الأنظمة والإجراءات على السوق، التي لا تزال تتدفق تباعاً عليها، عدا ترقّب ما سيأتي من تلك الأنظمة لعل من أبرزها وأهمّها على الإطلاق ما أعلن عنه وزير الإسكان في مطلع العام الماضي، أنّ الدولة ستتجه إلى فرْض رسوم وغرامات على احتكار الأراضي، هذا عدا ترقّب النظام الجديد للزكاة المتوقع صدوره قريباً جداً من مجلس الشورى، الذي يحمل في طيّاته إضافة الأوعية العقارية إلى الأوعية الزكوية. كل هذه العوامل الجديدة لا شك أنها حجّمتْ كثيراً من رغبة المستثمرين في السوق العقارية، كان لها الدور الكبير في الحد من وتيرة الصعود القوية المعتادة لأسعار الأصول العقارية، وهذا هو الأثر الوحيد الذي تمّت ملامسته حتى الآن، تبقى مسألة تراجع الأسعار بصورةٍ ملموسة، التي في رأيي أنّها لن تحدث إلا بتحوّل القرارات المرتقبة حول الغرامات والرسوم والزكاة المعلن عنها إلى واقعٍ نافذٍ على أرْض الواقع.

الحقيقة الأخرى: أنّ السوق المالية بصفتها الفرصة البديلة المتاحة في الوقت الراهن، قياساً على تحجّم كثيرٍ من المخاطر التي ظلّتْ لأعوامٍ عديدة تُحيط بها، وبناءً على الانخفاض الكبير في الأسعار السوقية لأصولها حتى لما دون قيمها الدفترية، والنمو اللافت في ربحيتها طوال الأعوام الخمسة الماضية على التوالي (2013-2009)، الذي لم يتزامن معه صعوداً بالقدر ذاته في القيم السوقية للأصول الرابحة، ظهرتْ أهم مؤشراته في استقرار مكرر الأرباح بين 10 و 12، عدا استقرار معدل الأرباح الموزّعة إلى الأسعار السوقية بين 3.8 و 5 ريالات للسهم، وغيرها من المؤشرات الأساسية في مراكز استثمارية جاذبة، كل تلك العوامل مجتمعة أسهمتْ في تحسين صورة السوق أمام المجتمع الاستثماري محلياً، دفعتْ بدورها على نحوٍ متدرج برغبة الشراء والاستثمار لدى المستثمرين، وظلّتْ تتزايد شهراً بعد شهر حتى تاريخه.

آتي إلى الأسئلة التي أشرتُ إليها في مطلع المقال، المتعلقة باحتمال استمرار هذا الصعود المتحقق للسوق، وهل قد يترتّب عليه دخول السوق لاحقاً مرحلة من التضخم المفرط في الأسعار "الفقاعة" أمْ لا؟ التي سيعقبها دون شك انفجار فيها كما جرتْ صورته التي لم تُمسح بعد من ذاكرة المستثمرين في شباط (فبراير) 2006. هذا ما سأتناوله بالتفصيل في الجزء الثاني من المقال يوم الأربعاء القادم – بإذن الله تعالى. ولكن قبل أنْ أختتم هذا الجزء، أود أنْ أُشير إلى أهم ثلاثة عوامل تسهم في صناعة الفقاعة السعرية في أي سوق مالية، سأتوسّع في إسقاطها على سوقنا المالية، لمعرفة ما إذا هي موجودة لدينا أم لا؟ وللحذر من تفاقمها أو الوقوع فيها، درءاً لمخاطرها المدمرة التي شهدتْ السوق المالية نتائجها في انهيار 2006. أهم العوامل المؤدية لتشكّل الفقاعة السعرية هي: (1) المعلومات غير المتماثلة لدى المستثمرين. (2) زيادة تدفق رأس المال سواءً مع بقية البلدان "الأموال الساخنة"، أو محلياً نتيجة عودة الأموال الوطنية المهاجرة، أو سرعة تحولها بين الأسواق المحلية مقابل ضيق الفرص الاستثمارية. (3) الزيادة المفرطة في خلق الائتمان المحلي. وللحديث بقية.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/03/31/article_837517.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.