السوق المالية .. والصعود العقلاني

أستكمل مع القارئ الكريم مناقشة إجابة السؤال: هل السوق المالية معرّضة لفقاعة أخرى؟ ملخصاً باختصار ما ورد في الجزء الأول من الإجابة؛ أن انخفاض حدة المخاطر كعوامل ضغطت على أداء السوق طوال السنوات الماضية، ولعبت دوراً في زيادة جاذبية السوق أمام المدخرات، جزء منها تلك الأموال المضاربية التي تاجرت في الأراضي والعقارات، كونها الفرصة البديلة التي كانت متاحة محلياً، تحت مظلة ضيق الفرص الاستثمارية في الاقتصاد الوطني. أخيراً، يقف المستثمرون أمام حقيقتين مهمتين: الأولى: أن المتاجرة وتدوير الأموال في السوق العقارية المتضخمة بكل المقاييس، وبما تواجهه من عزم للدولة لتصحيح اختلالاتها، قد تحجّم كثيراً مقارنةً بالأعوام السابقة الأخيرة. الثانية: أن السوق المالية بمزاياها الأساسية الراهنة، أصبحت جاذبة استثمارياً، ما دفع بدخول العقار في موجة ترقب وحذر، في المقابل تحققت للسوق المالية مكاسب الصعود التي نشاهدها في الوقت الراهن.

الآن؛ (1) هل سيستمر هذا التحسن في أداء السوق المالية، أم أنها قد تعود للقيعان السابقة؟ (2) إذا استمرت تلك الموجة الصاعدة، هل السوق باتجاه صناعة فقاعة سعرية جديدة؟ أجيب عن السؤال الأول، طالما أن أهم العوامل الرئيسة الداعمة لنمو السيولة المحلية قائم؛ المتمثل بالدرجة الأولى باستمرار ارتفاع أسعار النفط، والزيادة المرتبطة به على مستوى الدخل والإنفاق الحكوميين، فإن فرصة استمرار التحسن في أداء السوق المالية قائمة بصورة تفوق الفرصة المنافسة في السوق العقارية، كون الأخيرة وصلت إلى مستويات متضخمة جداً، هذا عدا خضوعها لمزيد من إجراءات المعالجة والتدخل الحكومي.

الأمر الأهم الذي يعوّل عليه تجاه التوقعات باستمرار النمو في أداء السوق المالية، أن يقترن باستمرار التحسن في نمو ربحية الشركات المدرجة، إضافةً إلى المساهمة الجيدة المتوقعة في مستويات ربحية السوق على يد الشركات المرتقب إدراجها فيها قريباً، كالبنك الأهلي وعدد من الشركات العملاقة، وهو ما غاب عن أغلب الشركات المساهمة التي أدرجت في السوق طوال السبع سنوات الماضية، حيث أسهمت في زيادة القيمة السوقية مقابل مساهمة بالكاد تذكر في حجم الأرباح المجمعة للسوق. على سبيل المثال بفكرة بالغة التبسيط؛ بافتراض القيمة السوقية اليوم تبلغ 1.5 تريليون ريال بمجموع أرباح 100 مليار ريال، فيكون مكرر الأرباح هنا 15 مكررا. في حال أدرجت شركات محدودة الأرباح أو حتى تحت التأسيس، كأن ترفع القيمة السوقية إلى 1.8 تريليون مقابل ثبات الأرباح عند 100 مليار ريال، سينتج عنه ارتفاع المكرر إلى 18، ما سيؤدي لاحقاً للضغط على قيمة المؤشر بالتراجع حتى يعود المكرر إلى المستوى المقبول عند المستثمرين، وليكن هنا على سبيل المثال 15 مكررا. لكن إذا صاحب ارتفاع القيمة السوقية كما أسلفت أعلاه ارتفاعاً في الأرباح المجمعة للشركات، لتبلغ مثلاً نحو 120 مليار ريال، فإن السوق ستحافظ على نفس المكرر المقبول لدى المستثمرين، وفي الوقت ذاته سيرتفع أداء المؤشر. إذاً طالما تزامن الارتفاع في أداء السوق مع ارتفاع الأرباح المجمعة للشركات، تظل المخاوف في أدنى درجاتها، تقابلها توقعات إيجابية لدى المستثمرين.

بالنسبة للإجابة عن السؤال الثاني، فمع التأكيد على أهمية ما ورد في الإجابة أعلاه، تتزايد احتمالات تشكل الفقاعات السعرية بالنسبة للأصول المدرجة، كلما شهدنا تضخماً في المؤشرات الأساسية، كمكرر الأرباح ومضاعف السعر السوقي إلى القيمة الدفترية وبقية المؤشرات، ففي حال تجاوز مكرر الأرباح مستويات مرتفعة كـ 60 مكررا أو أكثر، فهذا دون أدنى شك يشير إلى تشكل فقاعة سعرية من المؤكد انفجارها في أي لحظة. لكن ما الذي قد يدفع ببلوغ الأسواق المالية لتلك المستويات الشاهقة، طالما أن الأمور بهذا الوضوح لدى أغلب المستثمرين؟

كما اختتمت المقال في جزئه الأول، توجد ثلاثة مسببات رئيسة لصناعة الفقاعة السعرية في أي سوق مالية: (1) المعلومات غير المتماثلة لدى المستثمرين. (2) زيادة تدفق رأس المال سواء مع بقية البلدان "الأموال الساخنة"، أو محلياً نتيجة عودة الأموال الوطنية المهاجرة، أو سرعة تحولها بين الأسواق المحلية مقابل ضيق الفرص الاستثمارية. (3) الزيادة المفرطة في خلق الائتمان المحلي. ما مدى تغلغلها في حالة سوقنا المالية؟

بالنسبة لعامل المعلومات غير المتماثلة، على الرغم من التقدم الملموس لجهود هيئة السوق المالية طوال الفترة الماضية على هذا الجانب، إلا أنه لا يزال واحداً من العوائق القائمة في السوق، وما يجعلها في سلم تصنيف الأسواق المالية حسب الكفاءة ضمن الأسواق الناشئة أو حتى أقل من تلك الدرجة! لعل من أخطر أوجهه القائمة حتى الآن، استمرار تسرّب أخبار الشركات قبل إعلانها، هذا عدا سيطرة الشائعات على جزء لا يستهان به من تعاملات السوق، غالباً ما يكون ضحاياها صغار المستثمرين. عموماً هذا العامل هو الأثقل وزناً على السوق المالية مقارنةً بالعاملين الآخرين. بالنسبة للعامل الثاني، فأغلب مخاطره شبه موصدة حتى الآن، ولا يمثل منها كمصدر للخطر إلا ملف محدودية استثمار الفرص المتوافرة محلياً، والمقصود هنا هو الفرص الواعدة التي تعزز من الاستقرار الاقتصادي، والتنوع في القاعدة الإنتاجية، التي بدورها ستسهم في إيجاد فرص العمل الملائمة وذات الدخل المرتفع أمام المواطنين. أخيراً، بالنسبة لجانب زيادة الائتمان المحلي، للدلالة على دوره في صناعة فقاعة 2003 ــ 2006، تشير الإحصاءات إلى النمو القياسي الذي تحقق خلال تلك الفترة، حيث بلغ نموّه السنوي 37.4 و38.9 في المائة خلال 2004 و2005 على التوالي، تفجرت لاحقاً عواقب إفراطها بتلك الصورة في انهيار السوق المالية مطلع 2006! في الوقت الراهن يسير نمو الائتمان في سياقاته المعقولة، متأرجحاً حول الـ 12 في المائة، والتحذير الواجب الإشارة إليه هنا، ألا تتكرر التجربة المريرة من قبل المستثمرين خاصةً الصغار منهم، بالتورط في التسهيلات البنكية أو الاقتراض بهدف الاستثمار.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/02/article_838035.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أسواق مالية, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.