العقار .. إنقاذ ما في الإمكان إنقاذه

تبيّن من المقالين السابقين الأسباب الفعلية التي وقفتْ وراء افتعال الأزمة الإسكانية والعقارية لدينا، والأسباب المصطنعة من قبل التكتلات العقارية التي حاولتْ بناءها كستارٍ يحجب الأسباب الفعلية، وأنّ انجرافنا المخدوع خلفها طوال العقد الماضي، وتجاهلنا في الوقت ذاته للأسباب الفعلية؛ لم يُفضِ إلا إلى مزيدٍ من تعقّد الأزمة وتفاقمها على صورتها الراهنة. فعلى الرغم من التقدّم الملموس الذي حققته الأجهزة الحكومية في طريق الأسباب المصطنعة للتكتلات العقارية، إلا أنّ الأسعار مضتْ في مسارها الصاعد دون أدنى اكتراث بتلك الجهود الحكومية المبذولة، حتى وصلتْ أسعار الأراضي والمساكن إلى مستوياتٍ سعرية لا يمكن لأغلب المواطنين أن يتملّكوا أيًّا من الأرض أو المسكن، حتى مع إضافة كل من قرض الإسكان الذي تمّ زيادته إلى 500 ألف ريال، وإمكانية الاقتراض من المصارف المحلية، ولن تفلح حتى المساعي الواهمة من البعض من أجل زيادة القدرة الإقراضية من المصارف لصالح الأفراد، ذلك أنّ الأسعار تجاوزتْ أقصى الحدود الممكنة لدخل الفرد وقدرته على الاقتراض.

لماذا فشلتْ كل تلك الجهود؟ لقد فشلتْ بكل اختصار لأنها انجرفت وراء أسباب مزيفة الصنع من الأصل، وفي الوقت ذاته لم تلمس من قريبٍ أو بعيد الأسباب الفعلية والحقيقية التي وقفتْ وراء الأزمة! فمقابل زيادة الوحدات السكنية خلال الفترة 2006 – 2013 بنحو 1.8 مليون وحدة سكنية، ارتفع معدل طالبي تملّك المساكن من المواطنين إلى سبعة من كل عشرة مواطنين. لقد أدّى قصور الجهود التي انجرفتْ وراء تلك الأسباب المزيفة إلى زيادة تملّك التكتلات العقارية للمساكن إضافةً إلى رصيدها الهائل من مساحات الأراضي المحتكرة، وإلى ارتفاع أثمان المساكن والأراضي، ومن ثم ارتفاع فاتورة الإيجارات السنوية على دخل الأفراد. وفي تقديري؛ أنّ مواصلة اللهث وراء سراب الطريق الذي نسلكه في الوقت الراهن، واستمرار تجاهل الأسباب الفعلية المغذية للأزمة العقارية، لن ينتج عنه إلا مزيداً من ارتفاع الأسعار، ومزيداً من تضخّم الأزمة، ومزيداً من الاحتكار وتباين الدخل بين الطبقات الثرية والمستويات متدنية الدخل، ومزيداً من ارتفاع الباحثين عن تملّك المساكن، ومزيداً من التكاليف الهائلة على كاهل الاقتصاد والمجتمع، وهي النتائج المدمّرة تماماً لأي اقتصاد ومجتمع تتفاقم فيه، التي تجاهد الدول كافّة عبر سياساتها الاقتصادية ومواردها المالية كي لا تصل إليها، ذلك أنّ ما وراءها من فواجع لا يقل عن حدِّ الانهيار التام لأي بلدٍ يتورّط في وحْلها المخيف.

ماذا يعني "ردّ" أغلب من ينتسب إلى التكتلات العقارية، حينما يواجه بسؤال: هل لو تمّ حلّ جميع الأسباب الموضوعة من قبلكم، التي على حدِّ زعمكم أفضتْ إلى تفاقم الأزمة العقارية والإسكانية، هل سيسهم ذلك في الحدِّ من ارتفاع أسعار الأراضي والمساكن، ومن ثم يمكن رؤيتها تتراجع؟ ماذا يعني "ردّه" بالنفي المطلق؟ وأنّها ستستمر في الارتفاع بلغةٍ قائمة على الجزْم والتحدّي؟ إنّها تعني شيئاً واحداً فقط، أنّ تلك الأسباب لم تكن سوى أسباب خادعة، وإنّ الأسباب الفعلية المرتبطة باحتكار الأراضي دون أدنى تكلفة على من احتكرها، وتدفق الثروات الهائلة – أمام ضيق فرص الاستثمار المحلية- للمتاجرة والمضاربة المحمومة فيما لا يتجاوز عُشْر تلك الأراضي المحتكرة، سواءً عبر المساهمات التي فاقتْ أرصدتها 600 مليار ريال، أو عبر المزادات "الحراج" على المخططات السكنية التي تضمّنت مزايداتٍ وعمليات شراء وبيع مضللة، استهدفتْ رفع الأسعار بنسبٍ هائلة، انتهتْ أضرارها الفادحة لتسقط بكامل وزنها على كاهل المشتري الأخير، وهو هنا المواطن الباحث عن مسكن.

أصبح واجباً ملحاً على الحكومة، الوقوف بحزمٍ أمام الأسباب الحقيقية وراء الأزمة العقارية والإسكانية، وإنْ كانتْ الظروف الاقتصادية المواتية فيما مضى وفي الوقت الراهن منحتْ فرصة لن تتكرر، لامتصاص الضربات القاسية التي تسبّبتْ فيها تلك الأزمة على الاقتصاد والمجتمع، فإنّ واقع اليوم ومستقبلاً يحمل في طيّاته من التحديات والمخاطر الفادحة ما لا يمكن لأي اقتصادٍ حول العالم أن يتحمّل عواقبه الوخيمة. أعود إلى التأكيد على المطالب السابقة، التي ستكون من أهم شروط المواجهة الجادة لتلك الأسباب الفعلية خلف الأزمة الراهنة، المتمثلة في تفاقم أشكال الاحتكار وتركّز ملكيّة الأراضي والمساكن في يدِ شريحةٍ ضيقة من الملاك، مقابل الملايين من الباحثين عنها وفق مستويات دخولهم المحدودة، وبعيداً عن توريطهم في ديونٍ بنكية طائلة تستغرق أغلب فترات أعمارهم لأجل سدادها، لعل من أهمّها وأكثرها أولوية: (1) فرْض الزكاة على جميع أشكال الأوعية العقارية المدرّة للعوائد من إيجاراتٍ سنوية وخلافه. (2) فرْض الرسوم أو الغرامات على الأراضي المتوافر لها الخدمات العامّة، التي يمتنع ملاكها عن تطويرها لأي سببٍ كان. (3) قيام صندوق التنمية العقارية بإعادة وإحياء منح القروض الاستثمارية متدنية الفائدة لملاك الأراضي الشاسعة، وتحفيزهم على تطويرها وبناء المساكن عليها، تحفيزاً لمن ليس لديه الأموال الكافية للتطوير والبناء. (4) الإسراع بتطوير وتحسين بيئة الاستثمار المحلية، وتسهيل تأسيس الأعمال، كي لا تُربك الأموال الخارجة من السوق العقارية اقتصادنا المحلي وتصنع فقاعات سعرية أخرى، أو أنْ تهرب إلى خارج الحدود وتتعرّض للمخاطر الأعلى خارج البلاد. إنني لأرجو استجابةً عاجلة من الأجهزة المعنية، والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/09/article_839878.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.