على من تقع مسؤولية القضاء على الفقر؟

ما الذي يجبر المرء في أحيان كثيرة على القبول بعمل ما بالكاد يسدُّ أجره رمق الحياة؟ إلا الهرب من دائرة البطالة والفقر والعوز، سرعان ما يجد نفسه قد انتكس في قاع الفقر مرّة أخرى، ويزداد فقرا إنْ هو وقع في فخِّ القروض البنكية وغيرها من أشكال القروض، وهو المصير الأكثر احتمالا وقوعه، لينتهي مصيره بتأسيس كيان أسرته الصغيرة خلف تلك القضبان البائسة "البطالة، الفقر، الديون … إلخ".

فوق صفيح هذه المكعبات الحياتية المهترئة؛ لا غرابة أن يقف المرء عاجزا كل العجز أمام زيادة نصيبه من العلم والمعرفة هربا من الجهل، وعاجزا أمام نيل النصيب العادل من الصحّة والاستقرار النفسي هرباً من المرض ومسبباته، وعاجزا أمام تمكينه من توفير وامتلاك المسكن اللائق به بأسرته هربا من لظى المصير المجهول وأقساط الإيجار، وعاجزا أمام تحقيقه الاستقرار المالي والمعيشي هربا من جحيم تضخم الأعباء المعيشية والديون البنكية، وعاجزا أمام كل فرص وخيارات الحياة الكريمة بأكبر قدر ممكن منها، كإنسان لديه حق التطلّع لمستقبل يضمّه وأسرته بالقدر الكافي والعادل من الرضا والرفاهية المستحقة.

شخّصتْ دراسة "خط الكفاية في المملكة العربية السعودية – مؤسسة الملك خالد الخيرية" ملامح ومسببات "مصادر" مشكلة الفقر في بلادنا (ص 74- ص 78)، ساردة إياها تحت "خمسة" محاور: (1) البطالة، ممثلة في عدد العاطلين عن العمل، الذين يتجاوز عددهم 1.22 مليون عاطل وفقا لبيانات نظام حافز – وزارة العمل، مع الأخذ في الاعتبار الأعداد الأخرى من العاطلين الذين لم تنطبق عليهم اشتراطات النظام. (2) ارتفاع عدد المتقاعدين الذين يتقاضون معاشات تقاعدية محدودة، فوفقا لإحصاءات مصلحة معاشات التقاعد يوجد نحو 60 في المائة من مشتركي قطاع العسكريين، تقل رواتبهم الشهرية عن ثلاثة آلاف ريال، إضافة إلى عدم كفاية المعاشات التقاعدية لأغلبية المتقاعدين، وعدم قدرتها على تلبية احتياجات أسرهم، وأنّ 40 في المائة من المتقاعدين لا يملكون مسكنا خاصّا، إضافة إلى أنّ نحو 58 في المائة منهم يعيشون في بيوت شعبية أو شقق.

(3) انخفاض القدرة الشرائية للفرد والأسرة، نتيجة الزحف المتصاعد للتضخم "تكلفة المعيشة" مقابل النمو الطفيف في الأجور الشهرية، تتوزّع العمالة الوطنية "2.6 مليون عامل" وفقاً لبيانات وزارتي الخدمة المدنية والعمل بنهاية 2013، على القطاع الحكومي بنسبة 44.2 في المائة، والقطاع الخاص بنسبة 55.8 في المائة، بلغتْ نسبة العاملين في القطاع الخاص الذين تبلغ رواتبهم الشهرية 5400 فما دون نحو 86.2 في المائة. (4) ارتفاع نسبة الفئة المستهلِكة في المملكة، حيث يشكّل مجموع فئة صغار السن من 16 عاماً فما دون، وفئة القوى غير العاملة من البالغين نحو 57 في المائة من السكان، مقابل نحو 25 في المائة من السكان كفئة منتجة، مع الأخذ في الاعتبار أنّ نسبة كبيرة من تلك الفئة المنتجة تُعد من أصحاب الدخول المتدنية! (5) ضعف معاشات الضمان الاجتماعي السنوية المدفوعة للمستفيدين، تبدأ من 10340 ريالا سنويا "862 ريالا شهريا" للفرد، وتنتهي إلى 58080 ريالا سنويا "4840 ريالا شهريا" لأسرة مكونة من 15 فردا.

إذا كانتْ دراسة "خط الكفاية في المملكة العربية السعودية" قد قدّرتْ مَن هم تحت خط الفقر "1660 ريالا شهريا للفرد، و3320 ريالا شهريا لأسرة مكونة من خمسة أفراد" من السعوديين بنسبة 20 في المائة من إجمالي السكان بنهاية 2009، وأكثر من 75 في المائة من المواطنين مدينون بقروض استهلاكية طويلة الأجل (ص 69)، هذا كلّه كتقديرات قبل أربع سنوات، فكم يا تُرى أصبحتْ نسبة مَن هم تحت خط الفقر من السعوديين في الوقت الراهن؟ يُطرح هذا السؤال المهم؛ بعد أنْ ارتفع خط الفقر إلى 8926.1 ريال شهريا لأسرة مكونة من خمسة أفراد بنهاية 2012، أي بنسبة ارتفاع بلغت نحو 170 في المائة؟ مع الأخذ في الاعتبار التغيرات التي طرأتْ على بقية العوامل الأخرى طوال السنوات الأربع الماضية؛ كمعدّل البطالة المقدّر بلوغه 32.1 في المائة "1.22 مليون عاطل" بنهاية 2013، ومعدل التضخم (14.7 في المائة للفترة 2009-2013)، وزيادة القروض البنكية الاستهلاكية على الأفراد بنسبة 85 في المائة من 179.9 مليار ريال بنهاية 2009 إلى أكثر من 332.0 مليار ريال بنهاية 2013. هذا عدا بقية التحديات التنموية التي تواجهها الأسرة السعودية، لعل في مقدمتها وأهمّها أزمة الإسكان التي تحولتْ إلى الرقم الأصعب ضمن سلّة التحديات المعيشية لأغلبية الأُسر.

كما يبدو أن الإجابة عن هذا السؤال، قياسا على المؤشرات أعلاه تشير إلى أن نسبة الفقر سترتفع دون أدنى شك، تبقى مهمة ومسؤولية تحديدها بصورة أكثر تحديدا، وبصفة دورية منتظمة على عاتق المصلحة العامّة للإحصاءات والمعلومات، وهو ما يؤمل منها القيام به على وجه السرعة، وأهمية أنْ توفّر مثل تلك المؤشرات اللازمة لإتمام بقية الأجهزة الحكومية وحتى الأهلية مهامها ومسؤولياتها على الوجه الأكمل. يمثّل الاعتراف بالمشكلة نصف الحل، تكتمل النسبة الأخرى منه بما سيتم اتخاذه من تدابير وإجراءات دقيقة، وفقا للتشخيص والتحديد الدقيقين لحجم ومضمون المشكلة.

إنّها التحديات الجسيمة التي تتوزّع مواجهاتها على كلّ من وزارتي الخدمة المدنية والعمل فيما يتعلق بمستويات الأجور الشهرية، وبالطبع لا يمكن إغفال دور ومسؤولية وزارة المالية في هذا السياق، بما يشمله من العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص، إضافة إلى فئة المتقاعدين. وجزء آخر من تلك التحديات يقع على وزارة الشؤون الاجتماعية تجاه المستحقين للدعم والمعونات من كبار السن والعاجزين والفقراء والنساء الأرامل والمطلقات ومن يعولونهم من أطفال. وأجزاء أخرى من تلك التحديات تتوزّع مهام مواجهاتها على كلّ من وزارات الإسكان والصحة والشؤون البلدية والقروية والتربية والتعليم والتعليم العالي، كلٌّ حسب اختصاصه وحدود مسؤولياته. وجزء آخر أثقل وزنا من تلك التحديات يقع على وزارة الاقتصاد والتخطيط، كونها الجهة المسؤولة بالدرجة الأولى عن رسم السياسات الاقتصادية والبرامج التنموية كافّة، خاصة أنّها في الطور الأخير من مهام إعداد وتجهيز الخطة التنموية العاشرة (2015 ـــ 2019)، والله ولي التوفيق.

صحيفة الاقتصادية: http://www.aleqt.com/2014/04/14/article_841018.html

نبذة قصيرة عن عبدالحميد العمري

عضو جمعية الاقتصاد السعودية
هذه التدوينة كُتبت في التصنيف أهم المقالات, اقتصاديات, الرأي, المجتمع. أضف الرابط الدائم إلى المفضلة.

التعليقات مغلقة.